الثلاثاء، 31 يناير، 2017

صلصال الهرمنيوطيقا


حين سُئل فولتير عمن في إمكانه قيادة الجنس البشري,لم يقل الأقوي جسداً أو الأطول عمراً أو الأكثر اجتهاداً,وإنما رأي أن مستقبل الجنس البشري يكمن في هؤلاء"الذين يعرفون كيف يقرأون".
للعالم حولنا شكل آخر غير ما يتخذه أمام عيوننا أو بالأحري رؤيتنا للعالم,العالم يكمن في اللغة التي تغذي عقولنا بكل المعارف والأفكار,التي تنشئ شخصياتنا وتدفع توجهاتنا أينما توجهنا,هذا العالم الظاهري أما العالم العميق فهو في نصوصه اللغوية,وفنونه البصرية السمعية,هذا الإلهام الذي به نتدين ونحب ونغني ونفكر ونتأمل...إلهام اللغة المحيرة التي يقف أمامها المتأمل بابنبهار وعجب,حين يطلع علي مؤلفاته التي غيرت الدنيا.
النصوص أمام بصرنا نقرأها حين نتعلم الأبجدية ونبصر بعيون سليمة,أما الفهم والتفسير والترجمة ففي بصيرتنا الذاتية,كيفية قراءتنا لتلك الرموز التي شكلت ذواتنا وحياتنا,هي الهيرميونطيقا...فن التفكير واستخلاص معني النصوص,وصناعة خارطة ذهنية للتأويل.
التفسير ترجمة اللفظة وشرحه أما التأويل فهو الوصول للدلالة الباطنية المنسوجة داخل اللكلام واللغة,والنصوص يتم تأويلها بحسب تاريخيتها وذهنية مؤوليها, لننظر للكتب المقدسة وكم مر عليها من مؤليين اختلفت مشاربهم واتجاهاتهم,سنجد أن العبارة الواحدة تُأول لمئات المعاني,المركزية هنا انتقلت من النص للشارح,حينئذ تتبخر الدوجماطيقية,ويتعلم الكل التواضع في رحلتهم لإدراك الحقيقة,فالمعاني ليست ثابتة,إنما تتغير حسب زمن وثقافة المُؤول.
في الدراسات النقدية الحديثة للأدب تتردد كلمة"هرمنيوطيقا"بصورة كبيرة,كما ظهرت في البدء للكتب المقدسة متخذة اسم رسول الآلهة"هرمس"النسخة اليونانية المقتبسة من تحوت الفرعوني, العالم بفن الكتابة وسحر الحروف,لتصبح مادة جديدة للفهم عند الكتاب المقدس العلماني...كما أُطلق علي الأدب الإنساني.
الهرمنيوطيقا فن عند نقاد الأدب ومنهج لدي الفلاسفة,ومهرب عند من يرفضون سلطة النصوص.عملها يشبه الصلصال تكوين أشكال عديدة من مادة واحدة. 

الثلاثاء، 24 يناير، 2017

الحرف يميت والروح تُحيي

بالمنطق البسيط يمكننا القول:القرآن كلام والكلام لغة واللغة تحمل من ضمن ما تحمله المجاز إذن فالقرآن به مجاز.
ذلك المنطق يقف أمامه الشكلانيين ممن يأخذون النصوص بظواهرها,مُلغين ملكة العقل التي جعلت الإنسان أساساً أهلاً للخطاب واستقبال المعاني واللغة...استقبال الكون في عقله,هذا المجاز لو أنكرناه سنلجأ للتخريف والادعاء لملء ما يعوقنا عن فهم النصوص والاستدلال علي المعاني,وإلا ماكانت لكل تلك التفاسير القرآنية فائدة تذكر,والسبب أن المجاز يحتمل النفي ولا يجوز النفي في القرآن...ومن قال أن المراد هو النفي, إنما المراد هو التأويل والفهم والابتعاد عن حرفية النصوص, التي جعلت من البعض متحدثاً رسمياً باسم الله, حتي ظهر السؤال الذي يسأله البعض اضطراراً من عنت الشكلانيين الذي يظنون أنهم فهموا"كلام الله"وأن الفهم حكر عليهم لا يحتمل التأويل"هل أنت الله؟َ!".
المجاز اعترف به المفسرون وعلماء اللغة من الممكن أن يأخذ مصطلح"تجوز"أو"اتساع"إدراكاً منهم أن القرآن"حمال أوجه"كما صرح بذلك الإمام علي والكلمات إنما ترمي لمعاني تحتاج لروح وعقل لاستقبالها,ولتجربتهم المريرة في الاقتتال الأهلي بسبب فهم القرآن حرفياً بلا إعمال العقل ولا مراعاة للظروف التاريخية المتغيرة,لذلك جاء في الإنجيل أن رسالة المسيح"مكتوبة لا بحبر,بل بروح الله الحي,لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية" لماذا؟ " لأن الحرف يقتل ولكن الروح يُحيي".
القرآن يحمل المجاز في الكثير من كـ:"يد الله فوق أيديهم "، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" لو أنكرنا المجاز هل نقع في ما يقع فيه المشبهة والمجسمة ونجعل لله أعضاء جسدية,وهو من "ليس كمثله  شئ"وهي أيضاً مجاز فالله لا يقاس علي الشيئية!وإنما جاءت كخطاب موجه لعقل مكلف بالتفكير والتدبر
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ" ,"جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ"وآيات عدة تحمل المجاز والتشبيه,وإلا كيف الحديث عن بلاغة القرآن دون أن يحمل كل ما يعرفه العرب من تنويعات علي لحن اللغة,التي شكلت ثقافتهم وجلت مرآة العالم أمامهم,وقد أنسن العرب الجماد والحيوان والدهر وأتوا بالمجازات الجذابة التي تنشط العقل,ثم نجد من ينكر المجاز في أهم وأعظم كتبهم,والقرآن جاء ليخاطب بشراً بلسان عربي,وهنا نذكر الاتجاه الذي يري أن المعاني من عند الله بينما اللغة والمصطلحات من عند الرسول الكريم,وهذه رؤية الآن نتحاشها بينما نحن في حاجة لها للنظر للقرآن نظرة جديدة نراعي فيها تاريخية النص والجو الثقافي العام الذي تغلغل في القرآن الكريم,باستخدام آليات جديدة في علوم القرآن والدراسات القرآنية,بجرأة وفهم وشجاعة علمية كانت للأسف عند الباحثين القدامي واليوم من يذكر فقط جزء مما قالوه تنهال عليه التهم من مقدسي اللغة وتقديس ما لايقدس,فقط ليظل الحال علي ما هو عليه!!!
القرآن به مجاز كجزء من خطابه العام لأهل شبه الجزيرة,وربما هم شعروا به وأدركوه فنجدهم تقبلوا الكلام ولم يماروا في مجازاته,وإلا كانت نقطة ضعف خطيرة والمعروف أن القرآن خاطب العرب علي قدر عقولهم,ومثل لهم ما هو في بيئتهم ليتعايشوا معه.
يبقي التأويل هو الفضاء اللانهائي للقرآن الكريم,لنستجلي روحه ونحلق في سماواته,بالروح والعقل اللذان يستقبلان مجازه في جاذبية فكرية تثير الخيال والتفكير,أما الحرف فهو قيد خطير...بل هو مميت

الثلاثاء، 17 يناير، 2017

أنا لغتي



أتمني أكثر مما أخمن بأن يكون هذا العام عاماً للغة,فالأسئلة من بداية العام وهي تدور حول اللغة بدءً من سؤال الإسبوع الأول حتي سؤال الشهر,الذي سينزلق بنا لمناطق شائكة تحاشها الناس,ولا يستطيعون حتي سماع من يذكر بها.
اللغة,تدور ثقافة الإنسان كلها بمعناها الواسع ورائها,الألفاظ والتأويلات والمعاني هي ما تربي عقولنا وتضع تصورات كل فرد الخاصة عن العالم من أبسط الأشياء لأعقدها,مرات كثيرة وقفت أتأمل الحروف المرسومة في عدد من اللغات,وأنا مندهش منها ويكاد رأسي ينفجر عجباً منها هي والأرقام,كيف لتلك الرسوم أن تشكل حياتنا كلها كل ما نعرفه وتربينا عليه؟كل علومنا وفنوننا وكل ما نعرفه عن حياتنا عرفناه من تلك الرموز,لماذا 1+1=2ما هذه الرموز التي أوصلت لنا هذا المعني وفهمناه,وكيف لكلمة كالحب أو الله أو الموت أن تثير فينا كل تلك المشاعر والأفكار وتدور بنا في فلك سماوات نحلق فيها جاهدين للوصول لمعني الحياة؟! هل المعني هو ما يولد اللغة أم اللغة هي ما تولد المعني؟!
 العالم أمامنا كلعبة البازل وعن طريق الكلمات يمكننا ترتيبه بصورة تصلح لكل واحد منا,يمكن وضع روابط بين أجزاؤه وفهمها أو علي الأقل محاولة فهمها ووضع نظرية علمية أو عمل فني...
حينما أطالع نصاً أدبياً جميلاً,وبحثاً علمياً,ومنشوراً سياسياً,وبيان عسكري,وإعلان في الشارع,يتملكني شعور بالدوار من اللغة,28حرفاً تصنع كل هذه العوالم!!موقف حدث لي منذ سنوات هو أول من نبهني لعالم اللغة بتأويلاته ودلالاته ومصطلحاته:زميل لي يظن نفسه خفيف الظل ويجتهد لإثبات ذلك بمناسبة ودون مناسبة,رآني مصادفة وبمجرد أن وقع بصره علي بادرني بسؤال:
-جمع"زامان"-هكذا خرجت من فمه صوت الحروف-إيه؟
 the men-
هذا أجبت وأنا أظن أنه يقصد الرجل بالإنجليزية
-لأ جمع "زمان"أزمنة" وقهقه سعيداً بالطرفة التي ألقاها
حينها شعرت بلسانه يصفع عقلي لغوياً,وظل التأويل والتفسير هو ما أبحث عنه علي الدوام وراء كل النصوص.
لكن لم تكن اللغة بحد ذاتها هي ما أسعي إليه,فقد أجلت هذا الموضوع علي الدوام,بحجة انتظار"روقان البال"ووقت الفراغ,لكن كلما مرت الأيام آمنت أن البال لو تعكر مرة تلو المرة فمحال أن يعود رائقاً كما كان!ووقت الفراغ يبدو كذكري باهتة تلوح لي بين الشك واليقين؛لذلك أتمني أن يصير هذا العام هو عام اللغة-فرصة!-حتي تتجلي لي الدلالات والمعاني,حتي لا أضيع وسط متاهاتها,حتي أجد سبيلاً للمعاني التي تراودني ولا أجد لغة للتعبير عنها!في تلك الأوقات التي تدوخني فيها اللغة,يجئ علي خاطري صوت محمود درويش في قصيدة"قافية من أجل المعلقات,وهو يتساءل "من أنا؟"ويجيب "أنا لغتي(.............)
 فلتنتصر
لغتي على الدهر العدو، على شلالاتي،
على, على أبي, وعلى زوال لا يزول
هذه لغتي ومعجزتي. عصا سحري.
حدائق بابلي ومسلتي, وهويتي الأولى,
ومعدني الصقيل
ومقدس العربي في الصحراء,
يعبد ما يسيل
من القوافي كالنجوم على عباءته,
ويعبد ما يقول

لا بد من نثر إذا,
لا بد من نثرٍ إلهي لينتصر الرسول...



النكاح عند ابن عربي دلالة لبدء وجود جديد,خارج من رحم التجربة الروحية,وهو يعتبره من"علوم الأكوان وأصله من العلم الإلهي"يستند لآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتبيان مدي أهمية النكاح بالنسبة للعارف,فبه تفتح خزائن العلم وتنجلي أسرار الغيب وعن طريقه نصل للحقيقة عن طريق الاتصال مع الآخر,حسياً وروحياً,فيتصل كل عنصر بالآخر لولادة ثالث جديد عن طريق النكاح,خاصة وإن الأزواج موجودة أمامنا في الطبيعة من كل شئ,فلا عمل يمكن تحقيقه إلا بالتلاحم ووضع الناقص مكان الفارغ...الإنسان نفسه كفرد لا يمكن اكتمال كينونته إلا روحاً وجسدا.
النكاح دلالة علي الخلق والتوليد,علي نبض الحياة,المشتق اسمها من "الحيا"العضو التناسلي للانثي,واستمرار حركة البشر المشتق اسمهم من"المباشرة"يعني النكاح,روحياً وجسدياً 

الثلاثاء، 10 يناير، 2017

تضاد

الأضداد في اللغة مشترك لفظي يجمع بين معنيين علي النقيض،جمع اللفويون الغرب ألفاظ كثيرة اندرجت تحت بند التضاد،ومن اللغويين من أقر بوجود التضاد ووجد فيه دلالة علي اتساع بحر اللغة ومنهم من أنكره؛كيلا يتم اتهام اللغة بالقصور والتناقض.
ما تؤكده لنا الشواهد و
النصوص صحة ثبوت التضاد،وقد جمع الأصمعي وابن السكيت والسجستاني وغيرهم أمثلة واضحة وشواهد من الشعر والقرآن الكريم لدلالات عكسية للفظ واحد.كأن يكون الوراء أمام والجلل اليسير الهين والأبيض هو الأسود والصائد هو المصيد والحزن هو الفرح،في علاقة جدلية غريبة ومحيرة بين الكلام والفهم!!فالمعني ليس ساكنا مباشرا مما يذكرنا بعبارة"المعني في بطن الشاعر"التي تردد كلما التبس المعني وتعددت التأويلات.
ألفاظ التضاد يتم ضبطها والتحقق منها بمعرفة السياق العام للنص وزمن تدوينه وظروفه البيئية التي قيل فيها،ببساطة إدراك المعني الكامن خلف اللفظ،كأنها أحجية.
أسباب ظهور التضاد الاجتماعية كأن تجتمع قبيلة مع أخري ثم لكل واحدة معني مختلف للفظ واحد فيستخدمان لفظ واحد لمعنيين متناقضين!والنفسية كأن يسمي العرب الملدوغ بالسليم والصحراء المهلكة بالمفازة وإبدال الحروف وقلبها ،والتصغير والتحقير... وغير ذلك بها إشارة واضحة علي أن اللغة تتطور ولا تقف عند حد وما زالت أمامها شوط كبير نحو النمو بعيوبها وقصورها وبنبوغها وبلوغها المراد

السعر القديم


السعر القديم

تاسع مرة تمر من أمام المحل وتخطف نظرة سريعة علي الفاترينة"الحمد لله لسه موجودة",لا تتأملها فهي منقوشة في ذهنها منذ رأتها أول مرة,تتخيل نفسها فيها وخطيبها يمتدح ذوقها وجمال جسدها الذي تنطقه العباءة.لطالما لاحظت نفوره وسخريته من ملابسه,هو يميل للمزاح,لكنه مزاحه حط علي الوجع,لكن ما العمل,عباءة واحدة فقط بخمسمائة جنيه!
القرش علي القرش يكون ثروة مع الإصرار والمثابرة والصبر,ولحظة ما وجدت مدخراتها وصلت للخمسمائة,جرت علي المحل وهي تشعر أن الدنيا تحت قدميها.
-بس إيه العبايات الحلوة دي يا رحمة؟!هو إنتي إحلويتي ولا العباية هي اللي محلياكي؟!
حينها ستقسم أنها أجمل نجمات السينما,لكن الورود لا تنبت في الصحراء,والطيور لا تغني وهي حبيسة,والشمس لا تظهر للرائي والسماء بحجبها الكثيفة السوداء تكسف وجهها الزاهي.
اتجهت مباشرة للبائع وبثقة مستمدة مما في شنطتها,أشارت للفاترينة:
-العباية دي بكام؟
-800
800!!!هذه الأرقام من اخترعها؟!لتصبح الدنيا كلها عالم من الأعداد وأسوأ مافيه أعداد المبالغ المالية!ربما في عالم آخر لو أخبرت البائع إنها تريد هذه العباءة,لأعطاها لها مقابل كل شكر ولمسة حنان صافِ,وتسير الدنيا علي هذا المنوال,لن تجد حينها كسبان وخسران,أو غني وفقير,أو محتاج ومبذر,ستسير الحياة هانئة سعيدة,بالمحبة والسلام....
قالت والعباءة تترائي لها كأنها حلم باهت:
-بس حضرتك قلت لي من تلات أسابيع بخمسمية!
سمعها صاحب المحل من مكانه,فانطلق ضحكته الساخرة تهز أركان قلبها المحروم:
-تلات أسابيع!!!دي بعد تلات ساعات سعرها هايعلي,ده أنا لو كلمت الراجل اللي أنا واخدها منه هايقولي سعر جديد,ده إحنا في بورصة يا ابنتي ربنا يستر علينا.
-طب يا حج ما تديهالي بالسعر القديم,دي عندك من زمان!
تهيأ لوضع الفصال الشهير,النظر من فوق نظارة القراءة,التحديق في العين بثقة,إمالة الرأس علي أي من الجانبين,ثم افتتاح الكلام بالقسم باسم الله العظيم:
-....وبعدين ما أنا لما هانروح نشتري تاني هانجيب بضاعة بالسعر الجديد,هانجيب الفرق منين؟!والله ما بنكسب جنيه اللي بييجي من الزبون لو النهاردة اداني مية لو بكرة سافرت جبت بضاعة كأني معايا خمسين.
النظرة الدامعة في عينيها حركت قلب البائع الشاب رحمة-وهو ابن صاحب المحل-بعد أن رآها مبتهجة أول دخولها...بعد أن فرغ أبوه من حديثه وانشغل في الأوراق والحسابات وقفت كالتائهة أمام العباءة ولما همت في الانصراف همس لها:
-إنتِ معاكِ كام؟
بصوت مختنق:
-أنا والله كنت عاملة حسابي علي خمسمية دول هم اللي معايا.
كان الشاب ممن يؤكدون أن الدنيا لا زالت بخير...حاول التخفيف عنها فقال باسماً:
-أنا لاحظتك كذا مرة وانتي بتيجي تبصي عالباترينة وتمشي!يظهر إنها عاجباكي خالص.
تمتمت:
-حلوة.
-هاتي الخمسمية ماشي.
ابتسمت فقرأ في وجهها الامتنان والسعادة,وشعر أنه يحوز رضا الله.
انتحي جانباً في ركن من المحل وأخرج من جيبه مائتي جنيه وضعها بخفة مع الخمسمائة,ووقف أمام أبيه قائلا بخفوت:
-700جنيه أهم يا حاج ونطلع لها العباية السودا اللي برا.
خرجت من المحل بكيس محشو بالعباءة,تمني نفسها بالنظر في المرآة طويلاً قبل الخروج للتنزه معه,وقلبها يفيض سعادة وبشر,لكنها لم تكن أسعد من البائع الشاب,وهو يراها تقطع الطريق في خفة البهجة,متمنياً أن يسعد الله كل إنسان...فالسعادة ليست مستحيلة,لكن ابن آدم من يمنعها عن أخيه.



الثلاثاء، 3 يناير، 2017

متاهات النحو

للناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو كتاب عن الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري,بعنوان"متاهات القول",هذا العنوان ترجمة واضحة لما تواجهنا به اللغة وتأويلاتها ومعانيها,فالكلام عالم سحري غريب يجذبنا نحو عوالم واتجاهات ما كانت لنا يوماً في الحسبان,الكلمة هي المفتاح الأول للثقافة البشرية بمعناها الواسع وبكل تجلياتها.
اللغة طالما حيرتني ووقفت أمامها مبهوراً,بما تنتجه من رؤي وأحلام فنية ساحرة ممتعة,وما تكشفه من أفكار وفلسفات توقظ الوعي وتحفز العقل نحو التطلع لعالم إنساني مثالي...اللغة,عالم من الدهشة وحياة من البهجة والعجائب.
فكان لابد أن تصبح اللغة علماً,أو بالأحري مجموعة علوم كعلم اللسانيات,والفيلولوجي -الذي برع فيه نيتشه-والهرمينوطيقا....وبالنسبة للغة العربية هي لغة تشوبها صعوبة ولا شك,تبزغ تلك الصعوبة مع مستوي تعليمي انحدر متخطياً القاع بآلاف الميال فتحولت اللغة العربية إلي لغة شبه أجنبية عن العرب,ونظرة واحدة للأخطاء الإملائية الغريبة في الإنترنت والشوارع نعرف كيف تسير الأمور بالنسبة لتعليم العربية تكاد تقسم أن من كتب تلك العبارات والكلمات لم يتعلم الهجاء من الأساس,أنا أعاني معاناة بالغة مع النحو,كلما ظننت أني حفظت قواعده نسيتها,لذكريات سيئة في المرحلة اللادراسية,ولأني لم أتعلمه أصلاً من أحد فكان الحفظ للامتحان هو السيد كما هو معروف,فتحول النحو-الصعب أصلاً-شئ شبه مهجور ومتجاهل عند الأغلبية.
النحو العربي استنزف مداد اللغويين علي مر العصور,فبين النصب والنحو والجر والرفع والصفة والنعت والحال والمفعول به....,.....,.....تفرغ رجال كُثر لهذه المهمة في الضبط اللغوي,ونحن الآن في حيرة هل ما فعلوه هو الصواب,أم مافعلوه حجر اللغة وحنطها ولم يجعلها تساير الزمان وتمشي علي سنة التطور حتي إنها اليوم من أصعب لغات العالم ,وهناك بيانات تجعلها الرابعة من حيث الصعوبة في التعلم!بل ويشتكي منها الناس اليوم,ومن يريد البحث والمعرفة عليه باللغات الأجنبية,ومن يريد الوجاهة الإجتماعية واستعراض مدي معارفه يتجه للأجنبية,حتي أصبحت العربية كالطفل الذي يتبرأ منه الجميع ولا يود أحد ذكره,إما خوفاً من الخطأ أو رغبة في إسعاف العقل بكلمة أخري أنسب وأرقي ومعناها مباشر,والحق أن استخدامنا الخاطئ للعربية جعل فيها عيوب فعلاً,كتزيين الكلام واللف والدوران حول الهدف,والاهتمام بالزخرفة اللغوية علي حساب المعني,واللغة المثالية هي التي تقاس بمدي انضباطها وفهم كل كلمة والوصول مباشرة للهدف,لا شك أن العرب في الماضي كانوا يحبون لغتهم,بل هي اختراعهم الأول-المقصود بالعرب أهل شبه الجزيرة-فالقصائد والكلام كانت هي مبتاغهم ومنتهي آمالهم ومركز حياتهم؛لذلك بالغوا في الكلام وزخرفته وتكرار المعاني بأساليب مختلفة,مما جعل أبي تمام يقول في بيته المشهور"السيف أصدق أنباء من الكتب"ربما لكفره بالبلاغة التي طائل من ورائها,والمعروف أن الكتب هي الأصدق والأبقي لا تهزمها سيوف ولا يقدر عليها جنود,فكل المحاربين ماتوا واندثروا وأصبحوا عبرة,وبقي المؤلفون وحدهم ينوّرون الدنيا ويهتدي بهم العالم.
قد يري البعض أن تعدد وجوه الإعراب أحياناً من بدائع اللغة واتساع قماشتها,ويري فيه البعض دليل علي الضعف وعدم الانضباط اللغوي,والدعوات الكثيرة لإلغاء الإعراب كله وتبسيط القواعد النحوية,نابعة من المتاهات النحوية التي يقع فيها المدققون والمتتبعون لتاريخ النحو ومدارسه في الدول التي تعربت بعد الإسلام,سبب تعدد الإعراب في اللغة العربية اختلاف المدارس والاتجاهات في فهم اللغة وتأويلها في الأساس-وهذا طبيعي بل وصحي فكل جماعة من البشر لديها رؤية فكرية وثقافية مختلفة عن الأخري ومخزن حضاري متوارث-فمثلاً رأي البصريون أن"نعم"و"بئس"أفعال ورآها الكوفيون أسماء.
وأيضاً اختلاف المعاني وتأويلاتها في الجملة الواحدة فمثال"أكلت السمكة حتي رأسها"هو المثال الأشهر لدي النحويين فبضم رأس السمكة المحيرة تكون مأكولة كلها ,وبالجر تكون أُكلت كلها عدا الرأس,وقد مات سيبويه وفي نفسه شئ من حتي!!!
ويبدو أن المعري-أحد أعظم من كتبوا بها- فطن لأزمة اللغة العربية,وعلاقتة الناس بها, كما فطن لها طه حسين وسلامة موسي وشريف الشوباشي بحسه القاسي المتهجم:
مَن يَبغِ، عنديَ، نحواً، أو يُرِدْ لغةً،                   
                   فما يُساعَفُ منْ هذا ولا هذي
يكفيكَ شَرّاً، من الدّنيا، ومنقَصةً،                   
                   أن لا يَبينَ لك الهادي من الهاذي
النحو مهم للحفاظ علي اللغة,لكن الأمل في ارتفاع حال التعليم كيلا يقف النحو وقواعده الجاثمة علي أنفاس الأدباء والمثقفين أنفسهم والشكاوي والأخطاء التي يقعون فيها شاهدة,مع الكثير من التحرر اللغوي في الابتكار والأساليب والمعاني والكلمات.