الجمعة، 14 يوليو، 2017

آلام الطيبين

آلام الطيبين
تُستفتح الرواية بعبارتين,الأولي لبهاء طاهر"كل الأرواح جميلة...وكلها طيبة"والثانية لتوماس هاريس"إن جروح الماضي لتذكرنا دوماً بأن الماضي قد كان حقاً"...
بين هاتين العبارتين تتأرجح شخصيات الرواية الرئيسية, الطيبة المتأصلة في النفوس والحلم بعالم أجمل تسير فيه سفنها بهدوء وسط موج الحياة الغادر, رغم كل الجروح التي التي أصابتها في الماضي بسيوف الأقدار التي حكمت عليها بالوجع, وترويها عن طريق الفلاش الباك في إسلوب تطهري يشبه أدب الاعترافات.
يمنح أحمد سلامة في روايته"محطة الرمل"القارئ قطعة "بازل"مع كل فصل حتي تكتمل صورة كل شخصية,لكن يظل نور لغزاً حتي الصفحات الأخيرة,نور الطبيب الذي يتعذب بذنب إهماله لمريض عجوز,بغواية من نجوي التي تثيره جنسياً فيتركه في العناية وحده رغم اضطرابه النفسي,ليقتنص منها لذته وحين يعود يجده منتحراً فيترك الطب وتزيد عليه حدة نوبات الصرع.
وحين أقارن شخصية نور المعذبة في الرواية التي انتهت حياتها المهنية بتركه وربما الاجتماعية بسبب خيانتها لضميرها المهني لدرجة أنه يتمني القصاص الوحشي من نفسه"لكم أن يصفعني أحدهم فوق وجهي,أن يأخذني من رأسي ويلقي بي في أقرب مقبرة ويدفنني حياً جزاء لما فعلت","....وأخذت أنظر للبحر وأرغب بشدة لو يخرج موجه كي يبتلعني ويدفنني في قاعه"بأشباه الأطباء الذين أفرزتهم جريمة التعليم في مصر المصممة علي شقلبة كيان المجتمع بعدم وضع كل مواطن في مكانه المناسب,ممن يتاجرون في الأعضاء ويرتكبون بأيديهم الأخطاء القاتلة,والمتكسبين من آلام الناس وأملهم في الشفاء,من يقسون علي المريض وأهله بسبب وبلا سبب,أجد أن نور يقسو علي نفسه في مجتمع ربما يراه شخصاً حساساً زيادة عن اللزوم!!!
زهرة التي فقدت زوجها الصعيدي ليلة زفافهم,لاستهتاره برفع علم الشرف من نافذة البيت,فهم يريدون المنديل أحمراً بلون الدم,مسايرة للأغنية المقززة ذات الإيقاع المقبض التي تغني في الأفراح الشعبية"قولوا لأبوها إن كان جعان يتعشي,قولوا لأبوها الدم بلّ الفرشة"يسكب عليه اللون الأحمر فيهللون ويطلقون الأعيرة النارية,ثم يسكب عليه لوناً آخر وآخر وآخر,فيسهمون ويغضبون لسخريته منهم,وفي الفجر يكون مضروباً بطلقة جزاء لما فعل,تريحه من هم الحياة وتظل زهرة تنزف منها طوال عمرها,ويزداد ألم الجرح ويتقيح بلمسة من نور حين يسألها في جاليري منير عن طلاقها,ولأول مرة تشعر المرأة الأربعينية أنه مر عشرون عاماً علي فقدها حبيبها الذي يشبه نور,فتنهار باكية ويصاب نور بحساسيته وعقدة ذنبه التي يكفي مسها مساً خفيفاً لتتحول لحبل يخنق رقبته,فيصاب بنوبة صرع ويكاد يحتضر بين يديها.
منير الرسام البوهيمي الشهواني من الناحية الجنسية الذي ولد مسيحياً يقع في هوي فتاة ولدت مسلمة,في مجتمع ترك العلم والعمل والمعرفة والبحث والفن وكل ما يمت للإنسانية بصلة ليتفرغ بكل وقاحة فجة,ليصنف الناس ويضع بينهم الفروق الدينية والاجتماعية والمادية وكل ما من شأنه أن يحيل الحياة جحيماً, وتتلخص الأنوثة الفياضة بمعاني الحياة والشرف والأمانة في "جلدة"غشاء البكارة, تنفجر المشكلة ويكاد أن تتحول لفتنة طائفية بعدما علمت عائلة سلمي إنها ليست بكراً فيهرب من منير وتختفي سلمي من حياته إلي الأبد ولا نعرف حقيقة أمرها هل هي ملاكاً كما قال منير وليست كاللواتي ينامن في أحضانه أو اخطأت مع أحدهم,أو كما قالت جورجيت أنها ربما تعرضت لحادث وهي طفلة أو ربما ولدت هكذا,سلمي التي غيرت منير وحولت طاقته للفن والرسم ليصبح شهيراُ في مجاله,ويغدو حلقة اتصال زهرة ونور صديقه الوحيد...لكنه مازال يبحث عن سلمي وينتظرها.

حبيبة الجميلة التي كان جمالها سبباً ليخاف منها الناس ولا يقتربون منها أو ليوقع بها من يطمع ارتشاف رحيقها ذي النكهة الأوروبية,إضافة لما عانت في طفولتها من أم مستهترة لا يمكن أن يؤمن علي طفلة معها,وهروب أبيها لأمريكا,ثم سفرها هي له لتتزوج هناك من رجل شاذ سادي سلبها كرامتها وسعادتها محولاً فراش الزوجية الذي يسمو بالمحبين فوق الأرض متحداً عليه جسدين قررا الاتحاد حباً وشغفاً,إلي مكان إذلال وقهر وسادية تحول الجنس من سر الحياة ولذة الحب إلي كرباج يهوي بالإنسان للقاع, تعود لمصر كارهة لأبيها ولأمها رافضة توسلاته وبكاؤه لتسامحه,ثم تتعرف بنور في السفارة الأمريكية التي كان سبب وجودها الحقيقي فيها أنها تريد العودة لأمريكا لرؤية والدها ولم شملهما,يدبرنور  هذا اللقاء لهدف سيشكل صدمة حين الانتهاء من الرواية التي نسج الكاتب فيها خيوطه اللغوية المحملة بطابع سردي شيق,استخدم فيها خلفيته الطبية ليستخرج الوجع من داخل شخصياته علي صفحات الرواية,فيتلقهاها هو من قلب شخصياتها,فينسي من الجاني ومن المجني عليه,حين يطغي الألم والكآبة والتوهان في تعقيدات الدنيا علي الرؤية النقدية لعمل أدبي,أروع شهادة له هو ما يرسمه علي القلوب من بهجة أو أسي.

الجمعة، 7 يوليو، 2017

التخلص الشعري

كأن الشاعر يتخلص من معيشته في الحياة الواقعية,ويسكن في بيت من الشعر يضع في اسمه أو صفته أو كنيته,وهذه الظاهرة تميز معظم الشعراء الفرس,حيث يمتلكون علي الأقل تخلص شعري واحد يستدل به عليهم في ملكوت الشعر حيث مملكة الخيال الخصب,التي تمنح من الحرية والتحليق والاختيار ما تضن به الحياة الواقعية,وربما يتوراي الاسم الحقيقي ليتصدر الاسم الشعري كما غلب اسم"الفردوسي,وحافظ ,وسعدي"علي أسمائهم الحقيقية,يقابل هذا الأمر في العربية طريقة وضع اللقب أو استخلاص لقب للشاعر من أبياته ذاتها.
من أشهرهم
بابا طاهر:وقد لقب بـ"بابا"من باب الإجلال حيث يقصد به الشيخ أو المرشد,في قول ما ترجمته:"استجاب الخالق لنداء قلبي,أنت سند من لا سند له,كلهم قالوا طاهر بلا رفيق,الله معي فما حاجة إلي رفيق"
حافظ الشيرازي:اسمه شمس الدين,وقد داوم علي قراءة القرآن وحفظه وتضمينه معانيه في أشعاره,وقد يرجع تخلصه الشعري لهذا السبب,أو لسبب آخر أنه كان موسيقياً يعزف الناي وعازف الناي عند الفرس يطلق عليه"حافظ",وقد ورد في ما ترجمته"لم أر أحلي من شعرك يا حافظ بسبب القرآن الذي يحويه صدرك"و"لا تتردد عن الذهاب لجنازة حافظ,فحتي لو كثرت ذنوبه سيدخل الجنة"
جلال الدين الرومي صاحب المثنوي:وقد اكتسب اسم"خاموش"وتعني الصمت والسكون في قول ما ترجمته"اصمت فالكون ملئ بالصموت,ولا تدق طبل الكلام لأن الطبل الفارغ يصدر صوتاً"
وبسبب علاقته القوية بشمس الدين تبريز قيل أنه اتخذ اسم صاحبه كتخلص شعري له في قوله"أصبحنا بحب شمس تبريز متكلمين بالحب وصامتين في الحب"و"ياشمس تبريزي تكلم!عن سر ملك الملوك,إذا لم يكن هناك حديث أو صوت أو لون أو رائحة,فمتي يسطع النور بدون شمس"بالإضافة إلي لقبه الشهير"المولوي:"أنا ذلك المولي الرومي الذي يتناثر الكلام من فمه,لكن عند الحديث فأنا غلام للشيخ عطار"
أو قد يكون التخلص الشعري علي حسب المهنة,كتخلص فريد الدين النيشابوري باسم"فريد الدين العطار"أو أبو الفتح عمر بن إبراهيم باسم"عمر الخيام"
أو يأخذ تخلصه من اسم ممدوحه,كمشرف الدين بن مصلح,المعروف باسم"سعدي"نسبة للمدوحه"أبو بكر بن سعد"
هذه طريقة التخلص الشعري في الشعر الفارسي ويقابلها عند الشعراء العرب طريقة وضع ألقاب الشعراء,أما التخلص الشعري في الشعر العربي فهو حسن الانتقال من غرض إلي غرض في القصيدة الواحدة,ورغم روعة هذا التنقل الانسيابي من غرض لغرض آخر,فقد تعرضت القصيدة العربية بسبب لنفي وحدة القصيدة واعتبارها أجزاء شعرية مخلخلة وضعت فوق بناء شعري,تفتقد وحدة الشعور النفسي خالية من التماسك الفني.
ومن الشعراء أصحاب الألقاب الشعرية المأخوذة من شعرهم"الأعصر,المتلمس,تأبط شراً,الحطيئة,الأحوص,الفرزدق,النابغة ,المثقب العبدي..............,.............."
وهناك شعراء التصقت بهم ألقاب الرواة والأمراء"صريع الغواني,أبي نواس,الأخطل"
ومنهم من امتزجت أسمائهم بأسماء حبيباتهم,فرقت بينهم الحياة وجمعهما التخلص الشعري كلاهما في واحد"جميل بثينة,مجنون ليلي,كثير عزة,قيس لبني"
ومنهم من استخدم اسمه في شعره كجرير وعنترة




الأحد، 2 يوليو، 2017

"كلها أنت"!

أزمة السينما في مصر هي ذاتها أزمة الأغنية:افتقاد النص الفني الصادق,المعبر عن حالة إنسانية تلمس النفس الإنسانية,تشير لنقصها كما تلامس سموها,أشعر أني محاصر بين البلطجية وأرباب السواق وأصحاب الكيف,الذين سيطروا علي الساحة وأصبح صوت الفنان الحقيقي متواري في الظل,يكدح ويعمل متواري عن عين جمهور أصمّه الصخب وأعماه الصياح والأداء المبتذل رافع راية الهراء,وسط محيط تضربه أمواج داكنة من بحر آسن ملوث عازم علي إغراق الحياة الفنية بكل ما يجعلنا محط سخرية من القريب والغريب.
لكننا رغم كل السوء الذي نسبح فيه,مازالت هناك علامات تطمئننا علي حال الثقافة المصرية,لا ننكر أنها نادرة وخافتة وتأتي علي فترات متباعدة,لكنها علي كل حال موجودة,مازالت الجينات الفنية تتوارث من الأجداد الذين غنوا وكتبوا أغانيهم علي الجدران والبرديات,لتصيح "هذه هي مصر التي لا تعرفونها...مصر الحقيقية,لا مصر التي تاهت في المهرجانات وغناء المساطيل المنحط"...من هذه العلامات أغنية "أحلي نوجا".
يكون جوني وزميله أنطونيوس في ذروة مزاجهما الفني الرائق حين يقتربان من عالم نجيب سرور,كما حدث في أبناء نجيب سرور يجمعون رماد حلمهحين يعيدان الكرة يعالجان مرثية سرور لآمال طفل محروم مما يجد الأطفال في مثل سنه,برؤية جديدة تضيف للنص وتبرزه,فالمتكلم في القصيدة الأصلية نجيب نفسه ولا يظهر الطفل/الطفلة إلا منادياً"نوجا...نوجا أحلي نوجا"في الأغنية وبأداء مؤثر تولد أمامنا شخصيته الطفولية الساذجة البريئة التي أسقطت من القصيدة,هذا الطفل هو من يعطف في الواقع علي الرجل الكبير,فهو يندهش لحزنه وتكشيرته التي يمكن إبدالهما بالسعادة والفرحة لو اشتري منه النوجا!"ليه يا عمو تكون مكشروالفرح موجود معايا ؟!أنت بس يا عمو أشر قول لحزنك لأ كفاية,قولي نوجا هاتلي نوجا تلقي للأحزان نهاية"لو كان العالم مملكة للأطفال بتصوراتهم الساذجة الحلوة,ما عرف الدم والعنف والتدمير الذي يسيل من قلب الكرة الأرضية منذ نشأتها,لكن الزمن يفعل فعله وتدور الأرض وتنمو الأطفال ليصير منهم سيوفاً تنغرس في أمهم التي حملتهم علي ظهرها!
يتكلم أنطونيس بلسان الطفل البرئ,بينما نجيب الشاعر الذي جرب معني الأبوة,يجزع ويخاف حين يداهمه الطفل,يضطرب ويتمزق:"
أتبيع الحلوى يا ولدي
من غيرك كان ليأكلها
لولا مهزلة فى بلدى .. ؟!
" نوجا .. نوجا .. أحلى نوجا .. "
فى نصـف الليـل تغنيهـا
عريانـا فى برد الليـل
أنا مثلك لم أعرف يوما أفراح الطفل
و عرفت الأحزان المرة
و رضعت العلقم من مهـدي
لم أعرف ما طعم الحلوى ..
" نوجا .. نوجا .. أحلى نوجا .. "
أحلى نوجا ؟!
كلها يا ولدى .. ملعون من يأكلهـا ..
غـيرك أنت ..
و لتقطع كف تخطفهـا مثل الحـدأة ..
يا كتـكوتى .. من ثغرك أنت ..
يا مثـل الورد البري
يا أطهر من أى نبى
يا أحلى من أحلى نوجا
يا كبدى .. أتبيع النوجا ؟
" نوجا .. نوجا .. أحلى نوجا ..
ثم يفكر في نفسه هو"ابن الشقاء ربيب الزريبة والمصطبة"ما كان يمنع أن يكون هو الذي ينادي في الشوارع"نوجا...نوجا...أحلي نوجا"من أجل سد رمقه:
ما كان بعيداً أن أصبح مثلك أنت
فأنادي"نوجا يا نوجا"
ما يمنع أن يصبح ولدي يوماً أنت"
ثم يوجه رسالته للطفل ليلقيها في وجه العالم الغافل:
قلها للقرن العشرين!...فليبنوا من فوق الموتي أهرام المال
وليلقوا للفقر الضاري بالأطفال
ليبيعوا للناس النوجا في نصف الليل
"نوجا...نوجا...أحلي نوجا"
الحوارية في الإغنية بين العم المشفق(جوني) والطفل/الطفلة المحروم(يوسف,ريم)حوار بين جيل يلوم نفسه علي ما جنت يداه ويراه الآن حياً متجسداً في أطفال تبني بها مستقبل الأمم,بينما هنا يسرحون في الشوارع المكدسة المزدحمة بعفاريت السكك, بحلوي يجري ريقهم عليها رغبة في لذة طفولية عادية لكنهم محرومون من تذوقها"ولتقطع كفاً تخطفها مثل الحدأة من ثغرك أنت",ومع ذلك قلوبهم مليئة بالطهارة والمحبة,وأصواتهم تنضح بالبراءة والخير.
أشعار نجيب كصفعات من يد محبة,لا تبث الوجع الجسدي بقدر ما تثير دموع الحزن والتطهير من قلوب جعلتها يده تشعر بغيرها.

كلما سافرت بقطار الدرجة الثالثة ورأيت الأطفال يتراكضون بالعسلية والبسبوسة والعلكة معرضون للسقوط والموت,يتمثل لي صوت نجيب سرور الذي أعشق سماعه ممثلاً في مسرحيات إذاعة البرنامج الثقافي العظيمة,يلطم قلبي و يدير رأسي بقوة نحو هؤلاء الأطفال ويتنهد من أعماقه المتعبة العامرة بالفن والثقافة في عصر السفاهة"أتبيع الحلوي يا ولدي؟!من كان غيرك ليأكلها لولا مهزلة في بلدي"وتهمس شفتاي"كلها أنت"

الثلاثاء، 6 يونيو، 2017

المومياء في لوحات الجزء الأول

المومياء في لوحات
الجزء الأول

عبر شادي عبد السلام من ضفة عالم الفن التشكيلي لدنيا الفن السابع؛لأن الورق وحده لم يستطع إستيعاب عبقريته المتوهجة التي أرادت لرسوماته الحياة,فاعتلي مراكب الشمس السينمائية ليبعث علي شاشتها السحرية مجد مصر القديمة,ويخلد هويته الفرعونية بتحفة طافت الأرض تحصد التكريمات والجوائز,تُبهر صناع السينما ومحبيها,ترفع اسم مصر الفرعونية في وجه كل من يتساءل عن الهوية والانتماء,وستظل خالدة في لائحة شرف السينما باسم من نحتها مسلتهماً مجد الأجداد العظام وفنونهم,الفيلم نفسه كاسمه"مومياء"فنية استخرجها شادي عبد السلام من تاريخنا المجيد الذي يظن البعض أنه علي الهامش من حياتنا,أو مقطوع الصلة بنا,بينما هو داخل أعماقنا متداخل مع تفاصيل حياتنا وأفكارنا,جزء منا بدون أن ندرك ذلك,فمن فرط ما هو ظاهر أصبح خفياً!
المومياء عبارة عن جدارية سينمائية,صورتها الكاميرا بسيمفونية حركية مستخدمة الصورة بدلاً من الموسيقي....شادي منح الحياة للوحاته كما تمني.
اللوحة الأولي...تاسوع علم المصريات:
تبدأ اللوحة بصورة لبردية تظهر فيها إيزيس وأختها نفتيس وبينهم مومياء لابد أن تكون لأوزوريس,ومجموعة من الندابات,ثم صورة أخري للمومياء وأمامها كاهنين يقدمان القرابين.
تنغرس أسطورة إيزيس وأوزوريس في ثنايا الأعمال الفنية الجليلة,ويتأثر بها كل فنان لمس المغزي العميق في قصتهما,حتي جعلا الأديب الألماني جوتة يصرخ"آه إيزيس وأوزوريس,لو أنني أستطيع الخلاص منكما"استهل بهما شادي تحفته مصاحبة لها صوت العالم الكبير جاستون ماسبيرو يرتل في مهابة"لك الخشوع يا رب الضياء,أنت يا من تسكن في البيت الكبير...يا أمير الليل والظلام جئت لك روحاً طاهراً فهب لي فماً أتكلم به عندك...وأسرع لي بقلبي,يوم أن تتثاقل السحب ويتكاثف الظلام"ويكمل باحث ومحقق علم المصريات أحمد أفندي كمال-الذي سيصير فيما بعد العالم الأثري أحمد كمال باشا أحد مؤسسي علم المصريات وممن سيتعلم علي يديهم العلامة سليم حسن صاحب موسوعة"مصر القديمة"-"أعطني اسمي في البيت الكبير,وأعد إلي الذاكرة اسمي يوم أن تحصي السنين".يتبعها ظهور لقطة لهيئة العلماء حول طاولة خضراء عليها مصباح مضئ,جاءت إضاءة المشهد بطريقة تجعلهم معزولين عن الظلام من حولهم,فمصدر الضوء الوحيد هو المصباح,هم فقط من في دائرة الضوء"تسعة"باحثين من أعمار مختلفة,والقرن التاسع عشر لم يبق من عمره سوي عقدين,حيث كان علم المصريات ما لا يزل وليداً,بفضل جهود باحثين نذروا حياتهم للبحث عن أصل الحضارة وأساس العمران,كأنهم في جلستهم هذه-تكريماً لجهودهم الجبارة- يشبهون التاسوع المقدس يبحثون أمراً خطيراً يمس صميم العالم,هذا الأمر الخطير هو ظهور بردية منذ خمس سنوات ترجع للأسرة الحادية والعشرين وهي أسرة لم تكتشف مومياواتها بعد,فتشير القرائن لوجود شخص يعرف مكانها منذ وقت طويل,ويبيع محتوياتها لتجار الآثار بطيبة.
يقول ماسبيرو أثناء شرح موضوع الاجتماع"أي روح بلا اسم تهيم في عناء دا ئم فضياع الاسم يساوي ضياع الشخصية"هذه العبارة ومعها"وأعد إلي الذاكرة اسمي يوم أن تحصي السنين"تكثيف لمعني الفيلم كله"الروح,الاسم,الشخصية,الذاكرة...الهوية,التاريخ الماضي,المعرفة"
أثناء كلام ماسبيرو,نري الاهتمام والقلق علي وجه أحمد كمال,حرصاً وغيرة علي تراث بلده,فهو مقدر أن قيمة أقل قطعة منه لا تعادلها أموال الدنيا,بحكم علمه ودراسته أدرك أن أهله وتاريخه ينهب ويباع في الأسواق السوداء,أي أنه هو نفسه من يباع وينهب,يدفعه هذا الشعور أن يخبر ماسبيرو برغبته في أن الرحيل لطيبة في الصيف متطوعاً؛لأن أهلها يعلمون أن رجال الآثار لا يعملون في الصيف,فهو يريد مفاجئتهم وإرباكهم ليتسني له البحث عن دليل يقوده لاكتشاف اللغز.
اللوحة الثانية...الإنسان في مواجهة الطبيعة:
كأسراب نمل يتسربون من شق حائط,يتسرب أفراد قبيلة الحربات بين شق صخري في الجبل يحملون كبيرهم سليم الذي وافته المنية يدخلون به للمقابر, تصورهم الكاميرا من أعلي بنظرة طائر,فيبدون في غاية الضآلة والصغر,منهزمين أمام الطبيعة متمثلة في الجبل والموت,تبدأ موسيقي ماريو ناشيمبيني تتصاعد مع ظهور ونيس متصدراً جنازة أبيه ومن خلفه أخيه الأكبر وأقاربه وعويل الرياح يملأ الآذان, يلتفت خلفه و تلك النظرة في عينيه الحزينتين توحيان بما قاله سلطان العاشقين ابن الفارض"شوقي أمامي والقضاء ورائي"تظهر الأم المنهارة راكعة أمام قبل زوجها تودعه لمرة أخيرة,ويُنثر علي القبر زهور بنفسجية رقيقة جميلة,في تناقض واحد كأن الإنسان يزين وجه الموت الموحش,أو في استعادة لمفهوم البعث في الأديان,حيث الحياة هي الوجه الخفي للموت.
وبمجرد أن تبتلع الأرض الأب, يظهر العم أمام قبره ليودع الأبناء سر الأب,ويحملهما "سر دفينة حملها الجدود أمانة من أب إلي ابن".
اللوحة الثالثة...عين حورس:
صورت مشاهد الفيلم في ساعات الغسق والشروق-موت وحياة!-,مما أعطاه روحاً شاعرية,وحس شفاف,وفي وقت الشروق بدأ الأخوان يصعدان مع عمهما للجبل مختبئين عن عيون الحراس, للتعرف علي ما حمله جدود القبيلة لأبنائها,وتريد منهم اليوم أن يتلقوها منهم,وقبل دخولهم لمكان الدفينة يذكرهم العم بضعف الإنسان في مواجهة الطبيعة"اتبعوني..وانتبهوا,ولا تسألوا هنا..فما أنتم إلا حبات رمل في جوف هذا الجبل"
بعد رحلة وعرة في جوف الجبل يدخل ونيس والأخ والعم والقريب,لمقبرة التوابيت, المنقولة بحرفية من مثيلتها الحقيقية في المتحف المصري علي يد تلامذة شادي صلاح مرعي وأنسي أبوسيف ومساعديهما,وفي مشهد ذي أداء طقسي صريح,يتوغل العم بينها ويتجه بصحبة القريب لواحد منها يخلع عنه غطاؤه فتظهر بداخله مومياء,يمزق أكفانها بمدية حادة,وبوحشية يقطع رقبتها ليخلص قلادة معلقة فيها فنجدها تمثل"عين حورس" الرمز التجريدي الأشهر في الحضارة المصرية القديمة الذي تستحدم كتميمة وقاية للموتي والأحياء ولجلب الشفاء والصحة والانتصار,العين التي فقدها في صراعه مع عمه ست,في إرهاصة لما سيتطور عنه الصراع بين العم والأخ,وإشارة أن هذه القسوة البشرية متأصلة في نفوس الناس منذ فجر التاريخ,فقطع الرقبة لاستخراج عين استخلاص جرح من جرح,عين حورس تبدو دامعة كما كانت عيني ونيس أثناء مشاهدته لانتزاعها...القصة تتكرر,فكما مزق ست أوصال أوزوريس والد حورس هاهو العم يمزق جد ونيس!
يلوح العم بالقلادة ويقول بصرامة وتأن:"احمل هذه لأيوب التاجر"
لا يحتمل ونيس هذه البشاعة ويفر مسرعاً نازلاً من الجبل في هرولة وخوف,وعندما يقع بصره علي قبر أبيه يوليه ظهره فزعاً ويقول في ألم يمزقه"ما هذا السر!جعلتني أخشي النظر إليك ..."
اللوحة الرابعة...هاملت وعذاب المعرفة
هاملت...أغرب مسرحيات شكسبير وأكثرها شهرة وتألقاً في العالم,لم يرد بكتابتها أن تناسب التمثيل علي المسرح-تستغرق أكثر من أربع ساعات-بقدر ما أراد أن يضع نصاً مسرحياً ذي حوار مطول,يكشف عن أزمة الإنسان المفكر في كل عصر.
ظل هاملت متردداً عاجزاً عن الفعل؛لأن عقله لا يتواني عن التفكير والتحليل ورؤية كل الأبعاد الممكنة في كل الأشياء من حوله,وهذه هي أزمة المثقف الواعي العجز عن اتخاذ قرار حاسم,والعجز عن تحقيق ما يفكر فيه,فكلما فكر تراءت له أبعاد جديدة وتواردت علي ذهنه تفاصيل لا متناهية,بينما من يأخذون الحياة بسذاجة فهم أكثر الناس ثرثرة ولغواً ومقدرة علي الفعل,يقررون وينفذون في لحظة واحدة,لا يغل أفعالهم قيد العقل,يعملون كل يوم ويتزوجون وينجبون الأبناء ثم يموتون بلا ضجة.
درس شادي عبد السلام الدراما في إنجلترا-كانت الإنجليزية لغته الأولي في القراءة والكتابة والتفكير-وتأثر بالمسرح الشكسبيري,متقناً لغة شكسبير الشعرية المكثفة الصعبة.
اختار المخرج الإذاعي الكبير الراحل الشريف خاطر,أحد مؤسسي إذاعة البرنامج الثاني الثقافي,الذي ترك للتراث الإذاعي المصري روائع المسرح العالمي مجسدة بصوت نجوم الإبداع المصري ,الفنان أحمد مرعي ليؤدي بصوته دور"هاملت"في واحدة من درر أعماله,كما اختاره شادي لشخصية ونيس الشبيهة إلي حد كبير بهاملت أمير الدنمارك ووريث ملك مقتول يطارده شبحه ويدفع به وحيداً للانتقام له ومحاربة العفن الذي استشري في كيان عائلته كما استشري في جسد الدنمارك كلها!
تبدأ لوحة أشهر مشاهد/قصائد الفيلم,بالأخ ينزل في ثبات نحو منزل العائلة,بسلم ينحدر لتحت الأرض كأنه جبانة,في تناقض واضح بين ملوك الفراعنة الذين رغم موتهم يسكنون الجبل وبين المصريين المعاصرين الذين رغم حياتهم يعيشون تحت الأرض!ومازال صوت ونيس الداخلي يحدث أبيه"...يا أبي ما مصيري الآن؟".
يتبعه ونيس في حيرة وتردد أو كما يقال"يقدم قدماً ويؤخر الأخري"بينما أخيه يساءل أسرته"ما هذا السر؟العلم به ذنب والجهل به ذنبٌ أكبر"والقريب مندهش لكلامه الغريب علي مسمعه"ذنب؟!...أي ذنب يا ابن العم؟أنا الا أفهم هذا الكلام",علي الرغم من أن هذا المشهد يمثل الصراع بين منطقين مختلين في الحياة وإرادتين تتصارعان إلا أن نفس الأداء الطقسي الساكن يسيطر عليه,الأخ هنا يعاني أزمة أخلاقية"ألا ترون ما تفعلون؟ ألا يوجد من يقلقه ضميره فينطق؟",ضميره لا يسمح له بالمتاجرة في الموتي ليطعم بطنه الجائعة,بينما مفهوم القبيلة أن"هؤلاء الذين تسميهم موتي ليسوا إلا رماداً أو خشباً منذ آلاف السنين,لا أحد يعرف لهم آباء أو أبناء"...ونيس يسمع كل هذا ويراقب.
مازال ونيس واقفاً في وسط السلم,لا صعد ولا هبط,وصوت عمه موجهاً الكلام لأخيه يتردد في أذنيه-كأنما يحكم عليه-"أريدك أن تعلم أن دخولك المغارة وخروجك منها جعلك شخصاً آخر...شخصاً يختلف عن أهل الوادي...وعن الأفندية الذين يتمنون أن يعرفوا السر...أريدك أن تعلم أيضاً أن سر الدفينة أغلي من حياة أي فرد في قبيلة سليم..." بينما الكاميرا تتباعد لتتركه في النفق الضيق وحيداً.
الأخ المتمرد مازال علي موقفه رغم كل محاولات الإقناع رافضاً سلطة الشيوخ وسلطان العادات,هذا الأخ الذي يحمل رسالة التغيير في قبيلته,يبرز حجم الشقة بينه وبين أهله حينما يقول بصراحة"إن ما تسميه عيشنا أشعر به سماً يسري في جسدي...هذا عيش الضباع"
هذه المرة هو من يحمل القلادة ويلوح بها في وجه عمه"احملوا وحدكم هذه الذنوب",وحين يلمح عمه بالتهديد يجيبه"أنا لا أخاف كلامك...فلتخش أنت أولادك عندما يسألونك يوماً ما...هل هذا عيشنا؟!"
كل هذا يدور والأمر صامتة في حزن وقور,ثم تبدأ بالاعتراض حينما يشير العم لسوء تربية الابن,وحين يغادر العم والقريب يعود الحس الهاملتي الحائر في سؤال ونيس لنفسه" ما الذي تخبئه لنا الأيام؟إن عقلي المضطرب لا يقدر علي الصمت" نكتشف أن الزوجة الوفية لا يهمها إلا سمعة زوجها المتوفي,فحين يسألها ابنها الأكبر أن تعد كم جثة أنتهكتها يد أبيه ليأكلوا"أريد الحقيقة الآن"فتقول بمرارة وغضب"سوف تعرفها يوماً ما...أو سوف لا تعرفها أبداً...أما الحقيقة التي أعرفها فقد لوثت اسم أبيك في داره,لا...لن يمسه أحد بسوء في مستقره,ولو كان ابنه"ثم تسير مبتعدة عن الابن وبصوت مشحون حزناً وألماً تكمل"كان شريك أيامي...الحقيقة...ملعونة حقيقتك"تعود إليه وتواجهه معذبة"وملعون أنت لأنك أقلقت من انتهي وارتاح,الآن لن يعرف الراحة أبداً...اغرب عن وجهي أيها التعس إنني لا أعرف اسماً لك!"بهذه العبارة الأخيرة تمحي وجوده تماماً بالنسبة لها وتصب عليه اللعنات.. "فأي روح بلا اسم تهيم في عناء دائم فضياع الاسم يساوي ضياع الشخصية"...ثم تغيبها جدران البيت العريق.
كلام أخو ونيس شكل له صدمة معرفية قلبت حياته كلها,شككه في ماضيه وزرع التمرد داخل عقله,بينما قلبه مع أمه وأبيه...هذا الصراع الأبدي بين القلب والعقل يشتت ونيس ويتشظي داخلياً بفعله,في هذه اللحظة نفر ونيس من أخيه,وبدأ يصعد السلم مستنداً علي الجدران شبه غائب عن الوعي غارقاً في تأملاته الداخلية القاتمة,فيناديه أخاه"ونيس...لم تتباعد دائماً"وأثناء حوارهما يلومه علي ما فعله بأمه,وبلا ألفاظ يلومه علي مافعله به هو نفسه,فيبرر الأخ"إنها لا تعيش إلا في الماضي",يستمر ونيس في الصعود"أطلعتني علي مصير مظلم...صحراء علي أن أسيرها وحدي,خائفاً من المشاعر والذكري"ضريبة المعرفة الحقيقية يدفعها الإنسان من دمه وأعصابه وحياته"أي ذكري...التذكر يضعف الإرداة"يحتد ونيس علي أخيه"أي إرداة...أن أنسي... ما كان بالأمس حقيقة لي",يرفض ونيس عرض أخيه بالرحيل إلي مكان آخر,ينظر له في لوم"لم اطلعتني علي كل هذا؟...ولمَ أنت أخي؟"يتصاعد الموقف بين الشقيقين ويفترقان للأبد!
اللوحة الخامسة...مركب في الصحراء!
في لقطة سيريالية يركض الأخ نحو شراع مركب خلف كثبان رملية,فيبدو أنه مركب وسط الصحراء الجافة!هل هذا هو قدر كل من يريد الإصلاح في مجتمع فاسد,يظن أنه سيُسير المركب علي الرمال؟!
يتكاثر عليه المجرمين ويطعنونه ويلقون به في النهر!وهكذا تنتهي حياة من "قال لا في وجه من قالوا نعم!"
اللوحة السادسة...الجد والحفيد
صوت الباخرة"المنشية"التي تقل أفندية القاهرة,يُنهض ونيس من رقدته تحت قدمي تمثال فرعوني,وحين يقف يظهر بجواره تمثال رمسيس الثاني...نفس الوقفة ونفس النظرة,السينما صورة والصورة بألف كلمة,وما يمكن قوله في مجلدات لخصته كاميرا شادي ووجه أحمد المرعي المصري الأصيل في لقطة.
اللوحة السابعة...زينة
كتب شادي السيناريو عدة مرات قبل أن يستقر علي شكله الأخير كما ظهر علي الشاشة,كان من المفترض أن يكون لزينة جمل حوار في الفيلم,لكن أداء نادية لطفي المعبر,جعل شادي يستغني عن حوارها وترك مهمة ترسيخ الشخصية علي الأداء الصامت.
الحب والجنس لا حاجة لهما لكلمات,هما تاريخ الإنسان وجوهر حياته علي سطح الأرض,فقد انقسم البشر لرجال ونساء,وسيظلان يدوران في فلك بعضهما إلي الأبد,النساء هن سعادة وجحيم الرجال والعكس,والباقي مجرد تفاصيل صاخبة تثير الضوضاء في الحياة,يستخدمها من يهرب من تلك الحقيقة كغطاء ليتوه في أمور أخري,كيلا يواجه سر الدنيا وأصل الحياة.
ونيس وأولاد عمه ينجذبان للفتاتين بنات عم مراد-القواد-الذي يطمح أن يصير كأيوب المسئول عن تهريب آثار القبيلة ويعتمد في خطته علي إغراء ونيس بكل الطرق,بلغة النظرات-وهي الأصدق من أي كلام- نعرف أن زينة انجذبت بدورها لونيس,وبنفس اللغة نري لهفة أولاد عم ونيس الجنسية علي الفتاتين.
مستوي حوار مراد اللغوي يختلف عن المستوي العالم للغة المستخدمة في الفيلم,التي ترجمها عن نص شادي الروائي علاء الديب بلغة درامية مكثفة, فكلامه لا يحمل أفكاراً أو معان بقدر ما يحمل مكر مكشوف كأنه ثعلب يداور ويناور ليحصل علي مبتغاه الدنئ.
 ...ويهبط الأفندية من الباخرة المنشية إلي القرية.















الخميس، 1 يونيو، 2017

"الدمبر"سيناريو قصير مستوحي من قصة"معاهدة سيناء"ليوسف إدريس من مجموعة"لغة الآي آي"

الدمبر
سيناريو قصير مستوحي من قصة"معاهدة سيناء"ليوسف إدريس من مجموعة"لغة الآي آي"

م/1                                                                          ن/خ
أمام إحدي المحاجر في منطقة صحراوية
الشمس تنصب حمماً علي سائق شاحنة الدمبر العملاقة,يمسح عرقه الملتمع علي وجهه, فجأة تدوي فرقعة يهتز لها وتتوقف الشاحنة عن السير.
-يجتمع حولها العمال بوجوههم المتعبة الممصوصة من الشقاء,وأصواتهم المتداخلة, ينزل منها السائق.
من بعيد نلمح عبد الحميد,في الخمسينيات من العمر,يركض مضطرباً يلهث من التعب والحر, وخلفه نبيل,شاب في العشرينيات ,يقتربان من الشاحنة.
عبد الحميد(زاعقاً في شراسة):وسع يا بهيم منك له(للسائق) عملت إيه في الدمبر الله يخرب بيتكوا,ده انت وعيلتك ماتساووش كاوتشه.
السائق(خائفاً):والله ياباشمهندس عبد الحميد,ما أعرف حصل له ايه؟!
يدخل المهندس الأمريكي بيل والروسي ماشنسكي,يفزع عبد الحميد لظهورهما ويرقبهما بحذر وضراعة, دون كلمة ولا حتي رد فعل,يتجهان أوتوماتيكياً نحو الشاحنة,ويهم كلاهما في نفس اللحظة بالصعود لها لمعرفة سبب الخلل,يصطدمان ببعضهما,وينظر كل منهما للآخر نظرة تحدٍ.
قطع
م/2                                                                           ن/خ
ليس في السماء سوي صورة خافتة للشمس التي كانت متأججة نهاراً,العمال قد جلسوا علي الأرض في معسكرهم البسيط,بعضهم يعد الشاي,أو يتسامرون في مجموعة.
أحد العمال يجاهد لالتقاط شبكة المحمول,يرفع يده ثم ينزلها ثم يتجه لمكان آخر,ويتهلل وجهه حين ينجح الاتصال.
عامل1(بلهجة صعيدية):سلامات يا ولدي,كيفك وكيف أمك واخواتك؟...حاضر هاجيبها لك معايا لما أنزل أجازة...حاضر...حاضر...كل اللي انتوا عايزينه بس اديني حد من الجماعة عندك(بحسرة وغضب)آلو....آلو...ساعة واقف عشان الكلمتين دول والخط يقطع؟!
تنتقل الكاميرا لحلقة يجتمع بها العمال.
عامل2:وراح الخواجة ماشا شادد الخواجة بيل من دراعه وراح الاتنين ماسكين في خناق بعض,كل واحد بيقول انه بيفهم والتاني حمار,ومصمم إن هو اللي يصلح الدمبر,كان فضل شوية وكل واحد يدخل بلده وتقوم حرب.
عامل1ينضم للجلسة.
عامل3:ولحد ما يتصلح الدمبر هانقعد كده زي العجزة من غير شغلانة,دي الصحرا تاكل الدماغ يابوي
عامل4:ده لو اتصلح,سمعت إن الحكاية وصلت للإدارة ومحتارين في حلها.
عامل1:طب يعتقونا بقي يومين نشوف ولادنا,بدل ما احنا متلقحين جنب المخروب ده.
قطع
م/3                                                                             ل/د
عنبر في المعسكر
-يتمدد نبيل,شاب في العشرينيات علي سرير حديدي مؤرقاً مهموماً,بينما يغط من فوقه في النوم.
قطع
م/4                                                                       ن/د
حجرة ماشا
حجرة منظمة أنيقة,يقف بداخلها ماشا في مواجهة حجرة بيل,مستمعاً لنشيد "بوليشكا بولي" الروسي,المنبعث من اللابتوب الموضوع علي الطاولة
مزج
م/5                                                                    ن/د
حجرة بيل
شبيهة لحجرة ماشا,يقف هو الآخر أمام النافذة في مواجهة حجرةماشا,مستمعاً لنشيد"ليبارك الرب أمريكا".
قطع
م/6                                                                   ن/د
حجرة عبد الحميد
علي عكس حجرة بيل وماشا تماماً,يجلس عبد الحميد محملقاً في إحدي الراقصات علي التلفاز.
قطع

م/7                                                                ن/خ
 أمام المحجر
مجموعة من العمال ومعهم نبيل متجمعون حول"النمس"كهل رجل في الأربعين من العمر,يغنون موال "مصر جميلة".وفي عمق الكادر مايزال الدمبر متعطلاً كما كان في المشهد الأول.

نبيل:يا نمس هو انت مفيش حاجة اسمها مابتعملهاش,من يوم ماشوفتك وأنا بكتشف فيك مواهب جديدة, من يوم ما جيت ميكانيكي مع صاحبك الخواجة بيل
عامل1:هو اتسمي النمس من شوية يا باشمهندس!
النمس:قعدت علي تختة الدنيا,شوفت وسمعت وحفظت,اتفرجت عالفيلم الكبير قدامي,وحفظت...لقيت إنك مش هاتوصل لحاجة إلا لما تكون محتاج لها هاتموت من غيرها,كأنك لا مؤاخذة حصان بتنضرب بالكرابيج,وكل كرباج بيخليك ترمح مش شايف حاجة تانية من كتر الألم غير الحاجة اللي انت محتاجها.يعني شوفوا يا جماعة دماغ البني آدم اللي البطيخة أكبر منها دي,قدرت بقدرة قادر كريم تولد الدمبر اللي عامل زي الديناصور ده, تلاقي الكرابيج السوداني نزلت علي اللي عملوه لما إيه!...سلختهم يا عيني.إحنا بقي ياعيني وياليلي مسلوخين آه بس ما بنعملش حاجة,ليه؟لأننا مابنعرفش حاجة,عشان كده مصيرنا ومستقبنا في إيد اللي بيعرفوا...
أثناء كلام النمس ينظر نبيل للدامبر في حسرة وانكسار

قطع
م/8                                                                    ل/د
حجرة بيل
بيل يجلس علي كرسيه,مستغرقاً في قراءة رواية علي غلافها عنوان"the old man and the sea"",يدق الباب فينتبه.
بيل:ادخل
يدخل نبيل في ارتباك يوضح تقديره لبيل.
بيل:أهلاً نبيل, خير؟
نبيل:أنا عارف إن حضرتك ما بتحبش المقدمات...
بيل(مقاطعاً بابتسامة):دي في حد ذاتها مقدمة
نبيل(وقد ازداد ارتباكاً):عايزك تشوفلي أي فرصة للدراسة في أمريكا
بيل يضع الرواية بجانبه وينظر لنبيل باهتمام
نبيل(كأنه يحدث نفسه):من ساعة ما الدمبر اتعطل,وأنا انفجر جوايا حاجات كتيرة كانت مكبوتة,لمست جهلي وعجزي,زيي زي ملايين من أهل البلد,علقوا علي حيطانهم شهادات زي الحمير اللي شالت علي         ضهرها الأسفار,اسمهم شغالين إنما في الحقيقة هم مخربين...هم السبب الحقيقي لتخلفنا,والمصيبة أنهم معتقدين إنهم متعلمين ومعاهم مؤهلات...طب مؤهلين لإيه؟!وفين نتيجة تأهيلهم؟!...الشغل واقف عشان مفيش مهندس مصري واحد عارف الخلل فين ويصلحه إزاي؟!...طب إحنا هنا بنعمل إيه؟!(ينتبه لنفسه مخاطباً بيل)أرجوك.
بيل(مشيراً للرواية):قريت الرواية دي؟
نبيل(وقد فوجئ بالسؤال):لأ
بيل:قصة بسيطة بس فكرتها عظيمة...الإنسان ممكن يتحطم لكنه مادام عنده إرادة وهدف وفيه رمق مستحيل ينهزم...وأنا شايف الإرادة جواك رغم هزيمتك.
نبيل(في أمل):يعني حضرتك هاتساعدني.
بيل:المهم تساعد نفسك.
نبيل(في سعادة)شكراً يا مستر بيل...شكراً
يتجه نحول الباب,بيل يستوقفه
بيل:نبيل خد اقرا الرواية...كنت أعرف خريج صيدلة مصري اسمه إسماعيل,جاني في ليلة وكان عايزني أكتب له بياناته بالإنجليزي عشان يقدم نفسه في إنترفيو لشركة,اكتشفت إنه مايعرفش حاجة في الإنجليزي اللي المفروض هي لغة تخصصه الأولي...إوعي تكون زيه؟
نبيل يأخذ منه الرواية في ارتباك من تتكشف حقيقته ويخرج,يهز بيل رأسه وعلي شفتيه ابتسامة يمتزج فيها الإشفاق بالسخرية.
ظهور تدريجي

م/9                                                                       ن/خ


حلم(الصحراء)

الدمبر بلا سائق يطارد نبيل مزمجراً كالوحش الغاضب,نبيل يتعثر أثناء ركضه,يدهسه الدمبر.
قطع
م/10                                                                      ل/د
حجرة نبيل
يفزع من نومه,ويزداد فزعه حين يستمع لصوت الدمبر يشق سكون الليل,يقف ويتجه نحو الباب
قطع
أمام المحجر
م/11                                                                       ن/خ
الساعة الأولي من الصباح,الشمس تطل خجلي من السماء,العمال يزدحمون في صخب أمام الدمبر الذي يسوقه الآن النمس ضاحكاً في سعادة,نبيل ينظر له غير مصدق,بيل وماشا مندهشون,عبد الحميد ساكن كأن الموضوع لا يعنيه,يهبط النمس للأرض ملوث الثياب والوجه واليدين بالشحم والزيت.
النمس: يعني هو ربنا صرف للخواجات دماغ عمولة وادالنا احنا بلاليص؟!يلا يا جدع انت وهو الحدوتة خلصت كله علي شغله...شغل بجد مش اشتغالات!
النهاية