الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

خروشة



-بنية البلد التي عرفناها وعاش فيها أجدادنا تنهار بالكامل يا أستاذ,الواحد أصبح يشعر أنه في دولة أخري...كم ملعقة سكر تحتاج؟
سأله إسماعيل وهو يحكم غلق معطفه الأسود الثقيل,ولم ينتظر إجابته:
-سأضع لك ثلاثة كما أضع لنفسي.
تناول كامل المعروف باسم"الأستاذ"- لخلفيته المعرفية التي يستفيد منها الكل,وهدوءه واتزانه-كوب الشاي من يد إسماعيل ومسكه بكلتا يديه شاعراً بالحرارة تتسرب ليديه المثلجتين وتابع إسماعيل:
-هل تتخيل أن تنخفض الحرارة في مصر لهذه الدرجة؟يقولون أن هذا الهواء البارد قادم من سيبيريا.
-وفي الصيف القادم أؤكد لك أنه سيجئ من خط الاستواء.
ضحك إسماعيل ضحكته الطيبة التي جعلت كامل يتخيل أن أهل سيوة كلهم لا يعرفون الشر ولا الحقد,غلفتهم الطبيعة البكر بغلافها,لم يتلوثوا من قاذروات المدن الصاخبة الأنانية مهما ساحوا بلاد مختلفة.
لم يكن غيرهما في الشقة المستأجرة لمجموعة طلبة,تغربوا عن محافظاتهم,واستقر بهم المقام في الأسكندرية,لارتباطهم بعقد مع نظام التعليم المصري الكارثي,يسايريون بلاهته المفرطة في صبر,طلباً لاعتراف حكومي بمؤهل عال,يفرح به الأهل ويرضي به المجتمع,والأهم يفتح له الباب للسفر,أقصي طموحهم الوصول للسعودية أو الإمارات سعياً وراء المال,أما الدول الغربية منارات النور والعلم فلم يعيرها أحد منهم باله,الكل يسعي خلف الدينار والدرهم,ونسي العلم؛لذلك تعسوا لعبادتهم له كما حذر نبي الإسلام الذي يصلون عليه بصورة ميكانيكة,دون التفكر في عظاته.
بعد أول رشفة أشعل كامل سيجارة في استرخاء:
-تسلم يدك يا سمعة.
صمتا يستمتعان بلحظة هدوء نادراً ما يمر به المكان,المعتاد علي الضجة والشجارات الجادة والضاحكة.المتع لا تدوم سوي لحظة,وتصبح ذكري نخبئها في قلوبنا لتذكرنا بقسوة الحياة التي تضن علينا فنضطر نختلس منها ذكريات جميلة,نضعها في ألبوم ذاكرتنا.دق جرس الباب وكانت هذه المرة يتقابل فيها"خروشة"و"الأستاذ",عالمان مخلتفان,الأول سائق تاكس لف الشوارع والحارات وتعرف علي(طوب الأرض)كما يقولون مما تلقي من الصدمات والضربات ما جعله عصبياً ضيق التفكير مستهتر بالجميع فاستحق لقب"خروشة",والثاني كل جولاته كانت علي صفحات الكتب وشاشات السينما,حتي أنه مازل يتوه في شوارع منطقته وهو يلوح لعامه الثالث والعشرين مودعاً,ينظر للعالم من منظور فلسفي,وبقلب واجف يخاف من كل شئ.تفاصيل مشهد لقائهما حكاها إسماعيل فيما بعد لما وقعت الواقعة"لم أكن أتصور لحظتها أن يصادق خروشة الأستاذ,قام ليفتح الباب بخطوات بطيئة ونظرة ساهمة توحي بقلق فني حقيقي,ربما كانت بسبب الرواية التي كان يحدثنا أنه بصدد كتابتها, التقط في الطريق نظارته الطبية التي كان وضعها علي كتاب"النبي"لجبران خليل جبران,علي الطرف الآخر كان خروشة يرتدي فانلة الزمالك,نظراته هو الآخر قلقة قلق الهم وقلة الحيلة,يسأل عن حسام قائلاً إنه دعاه معه لمشاهدة المباراة,كنت أعرف أنه صديقاً له رأيته معه أكثر من مرة,دعوته للدخول لانتظاره وعزمت عليه بكوب شاي,فقبل.اتصل بي حسام ليطلب مني استبقاء خروشة,حتي يصل أخبرته بأني قمت بالواجب ,ذكر لي اسمه الحقيقي"خميس إبراهيم".تحدث خروشة عن المباراة المترقبة بحماس عصبي,ولم يقبل مني أي تجريح في مقدرة فريقه المفضل,بينما ظل الأستاذ صامتاً,ويبدو أنه لم يحتمل فدخل لغرفته واستمعت لصوت الأغنية الأجنبية"جولين" التي ظل يسمعها من هاتفه تلك الأيام,لهذه الفتاة التي كان معجباً بها...ماذا كان اسمها؟!!...آه مايلي سايرس,قال لي أنها تغني علي لسان امرأة تتوسل لغريمتها ألا تأخذ حبيبها منها,معترفة أنها أجمل منها وبأنها تتعذب عندما تسمعه يحلم بها أثناء نومه وهو نائم بجانبها فلا تجد غير البكاء,وتحاول إقناعها في نبرة ذليلة أن في قدرتها أن تختار أي رجل آخر,لكن المسكينة لا تمتلك إلا هذا الرجل الذي تخشي ضياعه من يديها فلن تجد غيره,وتخبرها برجاء أن سعادتها تعتمد عليها...وبمجرد وصول حسام خرجت أنا من المنزل ولم أر الأستاذ إلا عصر اليوم الذي يليه"
الهدوء معزوفة موسيقية يؤلفها الصمت العظيم,غلفت صباح الأسكندرية,مدينة الله العظمي يلفها السكون في ساعة النهار الأولي,خرج كامل وفي قلبه شعور صوفي يمتن به للكون ويتجاوب معه,نسي كل شئ للحظات حتي قدميه اللتان تحملان جسده سيراً,كل ما هو كائن في الكون جزء منها بدء من الذرات حتي المجرات,أنا صورة الكون والكون صورتي ليراني الكون علي حقيقتي وأراه,يتجلي الخالق في نسمة هواء وموجة بحر,يتجلي في كلمة حلوة وفتنة امرأة جذابة,يتجلي في الجمال والسلام والحب,يتجلي الآن في قلب كامل,الذي ينظر للغيوم التي تحجب السماء ويفكر في نجمة راقصة تشتعل خلفها شوقاً لرفيق يصاحبها في الرقص,فاجأه صوت رجلان يمشيان بجواره:
-يبدو أن السماء تنذر بأمطار غزيرة.
-جيد...فلتغسل الشجر والبشر.
-قد تغسل الأشجار أما البشر فلن يغسلهم شئ.
في الثامنة تقف أمام المحل حائرة في فتح الباب,وفي الثامنة تجده أمامها يساعدها علي فتح بابه الصاجي برفعه بقوة لأعلي...أول مرة يراها فاجأته بوجهها المضئ الصافي وعيناها النقية اللتان لا تحملان ما في عيون البشر من غموض وخبث,جسدها المتناسق في رشاقة وشعرها المنسدل علي كتفيها في حرية ثبتا الزمن للحظة,لحظة لم يعد فيها غير"قمر"واقفة أمام محل بيع العطور تشب علي أصابعها وبجسدها المنهك مما يتعب النساء شهرياً تحاول رفع بابه الثقيل علي الآخر,يظهر كامل ويرفعه عنها,تلتفت له فجأة وتنتشل قلبه الكئيب بابتسامة واسعة بريئة كطفلة رأت الشخصية الكارتونية المفضلة لها,وبصوت أنثوي ناعم"شكراً"وغابت داخل المحل.في اليوم التالي ظنت الأمر صدفة مع نهاية الأسبوع أصبحت تقف أمام الباب تنتظره,وهو لم يخلف موعده لحظة.
أعطته المفاتيح بيديها المختبئتين في قفاز صوف.
-كان من الأفضل أن تبقي في المنزل في هذا الجو
-والعمل من يباشره؟
العمل...لا يجد نفسه أبداً في أي عمل مهما كان,ليس شغوفاً بمهنة ولا مركز,كل ما يتمناه المكوث وسط دراساته وأبحاثه يفكر كما أرسطو,الذي اعتبر أن السعادة تكمن في المعرفة والتأمل العقلي.
-أدخل بسرعة أن بوابات السماء انفتحت.
بإيمانها الساذج المطمئن أخذت تدعو الله هامسة اعتقاداً منها بأن أبواب السماء تنفتح علي مصراعيها أثناء هطول المطر,هل للسماء أبواب كالتي نعرفها علي الأرض؟!
لحظة فتح التلفاز انهارت لحظة تأمله لها وتفكيره بالتعبيرعن شعوره,خرج من هيامه الرومانسي للعالم الدموي القاسي.أخبار سوريا...متي يرحم الله العرب من مآسيهم,علام يعقاب أطفالهم المساكين ونسائهم اللواتي يقاسين ما يصعب علي الرجال احتماله؟!خرج من المحل وقلبه منقبض يسأل الله السلامة.
عاش عمره كله في السعي وراء المعرفة سلاح الإنسان في مواجهة تحدياته ومشاكله,ولم تورثه الثقافة والقراءة غير عزلة وقطيعة مع مجتمع القطيع,فعاش من بعد عامه العشرين وحيداً لا رفيق له سوي مشاريع فكرية لا يعرف من أين يبدأها,وحلم رومانسي بعالم يسوده سلام دائم,يجد فيه الإنسان كفايته من كل شئ,ثم رأي قمر في الشارع المجاور...فحلم أن يجد كفايته فيها,وطفا شعور الحب لأول مرة في قلبه المحروم,الذائب شوقاً للحنان والعطف,قلب يتعبه يأكل أعصابه ويدمع عينه,رقيق هو كفتاة,حتي صوته وطريقة كلامه تشي بأنثي مقموعة بداخل عواطفه,ولم يعتبر ذلك عيباً,فكل ما في الحياة أنثي ولن نفهمها,إلا حين نكون مثلها.
بدأ خروشة في اللف والدوران بالتاكسي يفكر في زبون سخي-لم يعد لهم وجود-أو فتاة لعوب يبدأ معها علاقة,لكنه وجد أمامه أستاذ كامل:
-يا أستاذ كامل اتفضل.
تعرف عليه وقسر وجهه علي الابتسام ترحيباً به:
-إلي أين؟
فكر في نفسه"لو كنت أعلم إلي أين لأجبتك...لكن لا أحد يعلم"وهمس بدون وعي"هل تعلم أنت إلي أين"
-ماذا؟!
-سأعود للشقة
-تعال اركب.
خروشة لا يطيق الصمت أبداً,ثرثار علي الفاضية والمليان,ورثه من أبيه الكلام والزعيق والعصبية والشعور بالنقص من الناحية الاجتماعية والعلمية...والتاكس."التاكسي ملك لأبي,لكني لا أحب الاستمرار كسائق,أتمني السفر للسعودية,ألا تعرف طريق للعمل هناك......."كلام طويل عريض يشي بضيق الحال واللهاث خلف الآمال.
ما يعرفه خروشة عن كامل من تردده علي الشقة,والجلسات التي جمعتهما فيها أنه رجل طيب بشهادة الجميع,مؤدب وفي حاله,خجول وتقريباً جبان...الأخيرة ليست حقيقة فهو ليس جباناً لكنه ساع خلف السلام بكل ما أوتي من شجاعة.
هذه الصفات لا تعجب خروشة,فلابد للرجل في نظره أن يكون ذا أظافر وأسنان تساعده علي النجاة في غابة الحياة,لابد أن يمتلأ فمه بكل أنواع الشتائم والسباب والعبارات الجنسية الفجة والأصوات الماجنة فتلك علامة علي رجل خبر الدنيا وجالس الناس,لابد أن يتصادم ويضرب ويتعارك ويفرض هيمنته-علي من هو أضعف طبعا-بدأ الأمر بفكاهات خفيفة من خروشة يلقيها علي مسامع الأصدقاء,يقلد فيها صوت كامل وطريقته الخجول في الكلام ولحظات غيابه عن الواقع,كان كامل يضحك من قلبه ويتساءل"معقول...هل أتكلم هكذا؟!"
تقبل كامل المرح للدعابة حولتها لسخرية شاعت بين الأصدقاء,الكل يحكي عن مواقف كامل,ويحدثه ليخرج منها بكلمة أو حدث يصبح طرفة يحكيها...لم يعد مجرد رجل مسالم هادئ,تحول لكاركتر كوميدي مضحك...وبالنسبة لخروشة وجد فيه حلقة ضعيفة للتنفيس عن أزماته النفسية ومخاوفه التي يخشي مواجهتها في الحياة.
-لا أتخيلك عريس يا كامل...كيف ستوقع"مزة"؟(لم يعد يستخدم كلمة الأستاذ إلا من باب السخرية)
-كيف ستوقعها أنت؟
-بالتاكس.
أجاب بقلة حيلة:
-بالتاكس؟!هل ستجلبها من الشارع؟!
وجه خروشة كلامه للأصدقاء بطريقة مهينة لكامل وهيستيرية:
-هل تتخيلون أنه لم يحادث فتاة في حياته!
في الآونة الأخيرة لم يعد كامل يطيق خروشة ويشعر أنه تعدي حدوده بطريقة منحطة,نادماً علي علاقته به.
- من أدراك؟...لماذا تأخذ الموضوع علي صدرك هكذا؟
بغضب قال:
-أسلوبك في الحياة هو من أدراني! آخذه علي صدري لو كنت أفضل مني...لكنك لست أفضل مني!!
بداخله يدرك أنه أفضل منه,وفرصه في الحياة أوسع من فرصه,ففضلاً عن أخلاقه وثقافته,والده يدير مشروع استثماري كبير يتمني لو شاركه كامل بالعمل فيه,بينما خروشة سائق تاكس تم فصله من المعهد الفني الصناعي.
الغيرة تأكل قلبه من كل الناس,وكان الأستاذ هو أفضل من يتلقي منه كل إحباطاته لطيبته التي لم يعد لها مكان في عالم اليوم.
-هل تصدقون الفتاة التي يدور حولها منذ شهور,لا يمكن أن تنظر له حتي بملابسه وهيئته الزرية,غير معقول...
احتقن وجه كامل.
-إنني شاهدتها علي الكورنيش بصحبة شاب يضع يده علي....
وجه كامل له ركلة في قدمه تبعها بلكمة في بطنه,حتي حال بينهما الجمع وخروشة يصرخ بهيستيريا يطير لها لعاب فمه...
خرج كامل من الشقة وحده,لم يشعر بنفسه سوي وهو في دوران سموحة,يقارب علي الخروج من الأسكندرية...جلس في منتصف ميدان فيكتور عمائنويل,يرقب السيارات كلها تدور حوله,والناس تروح وتجئ وتتغير بينما هو ساكن صامد في مكانه...ومن طابور السيارات المزدحم انبعث من صوات إحداها"يا مسافر وحدك...يا مسافر وحدك,وفايتني.ليه تبعد عني ليه تبعد عني وتشغلني"