الأربعاء، 26 فبراير، 2014

كتاب للأسف مازلنا نحتاجه!



كتاب للأسف مازلنا نحتاجه!

وسط كل الحادث في الواقع المصري المضروب بالنار حتي سالت كل دماه,ولم يعد للعقل مكان فيه بعد أن هاجر تاركاً لنا ممسوخي العقل والتفكير,يذكر الواحد منا فؤاد زكريا وكتابه"التفكير العلمي",قرأته من شهور وتحسرت من قلبي وهمست لشخص غير موجود:
-يا خبر!! المقدمة مؤرخة بعام 1977 وفي 2014 مازلنا نحتاج لما كُتب,والأسود من ذلك أنه في العقود القادمة ستحتاجه أجيال جديدة!!
فلفني صمت كئيب وابتلعتني دوامة من الهموم والهواجس,مع التقدم في صفحاته زادت الكآبة,ففؤاد زكريا لم يقدم محتوي يليق باسم الكتاب,ظننت لأول وهلة أنني أمام كتاب معقد لابد أن أشحذ له ذهني لأعرف كيف"أفكر علمياً",ومع انتهائي من كل فصل أشعر بخيبة أملي...إنها بديهيات يا ناس في أبسط مبادئ التفكير,كيف لاسم كفؤاد زكريا أن ينضم لجماعة سلاح السطحية في المعالجة والتقديم,التي تربطها علاقة وثيقة مع أسماء عديدة في الثقافة المصرية...لكن شخصيتي الاجتماعية الملسوعة من الواقع المصري طغت علي القارئ في داخلي,وهدأت...أجل! ماذا ننتظر من مفكر مهما علا قدره مهموم بالشأن العام ويريد مخاطبة العقل المصري المنهار أن يقول وأن يقدم! لابد أن يعيد تقديم الخطوة الأولي التي خطاها رواد العلم والتقدم اليوم كي نحاول نحن أيضاً أن نخطوها,لكننا تأخرنا نوعاً ما...فقد قدمها في عام 77..أربعة عقود تقريباً ولم نخطوها ولا أمل أن نخطوها...لكن عموماً هاهو الكتاب موجود,لعله يأتي جيل جديد يسخر منه ومنا,لسذاجة ما كنا نفكر فيه في يوم ما.
ويا للمصيبة لو وجد فيه مايحتاجه ويسعي إليه ويفتقده في حياته...كم عقد سيمر حينئذ يا دكتور فؤاد ومازال التفكير العلمي مفقوداً,وما زالنا غارقين في الحماقة التي قضت علي أهلها ومن ظن أنه يداويها!

السبت، 22 فبراير، 2014

رحلة مع الحب



سؤال يوسف زيدان: كيف يمكن اقتلاع جذور الكراهية من نفوس الناس ؟
سؤال فانتازي...فلنضرب الفانتازيا بالفانتازيا!!

رحلة مع الحب
1
شعرت بالضيق ذات مساء,ارتديت ملابسي بعد تردد من برودة الجو وهممت بالخروج,نسيت الولاعة فعدت من علي الباب لأخذها ونزلت أتمشي في المدينة الصغيرة,أخذتني قدماي حتي ضفة النهر الهادئ,وقفت أتأمله وهو يمضي ساكناً راسخاً كأنه لا يشق المدينة لنصفين كل نص عكس الآخر تماماً,نصف يستمتع ونصف متاع!نصف يمضي الليالي فوق ملاه عائمة عليه ونصف يموت فيه هرباً من المدينة أو يبتني عليه العشش حتي يموت في المدينة,يعرف أهل برنا الجهة المقابلة لهم بـ"البر التاني",المتلالئ دوماً بالأنوار المزين بأجمل الجميلات وأفخم العطور,ذات مساء أيقظني عطر نسائي وصل إلي في غرفتنا المكتومة الخانقة,أيقظني....هذا المساء ليس ببعيد أنه هذا المساء وكان هذا سبب ضيقي,أن أهل برنا لما يجوعون يقفون عند الحاتي يشمون الرائحة ثم يحمدون الله ويمضون لحال سبيلهم,تضرب الأمهات أطفالهن بقسوة لما يشبطون في لعبة أو حلوي من البر الثاني,أما أن نكون في برنا آمنين نائمين فتدخل علينا عطور النساء لتثير فينا ما حرمنا ليه,فهذا كثير!
جلست بعد تعبي من الوقوف,أشعلت سيجارة وسرحت بي بالأفكار وسرحت بها,طوفنا سوياً في أحوال الدنيا والعالم والماضي والحاضر,تناقشنا في الله والزمن والفن والشر والحب والكراهية والجنس والإلحاد....حتي مضت ساعات ودنت الساعة للرابعة فجراً,فقمت لأرجع لمنزلنا,تسمرت قدامي لما رأيته قادماُ نحوي في زورق صغير,عرفته علي الفور,فتحت فمي من الدهشة ودق قلبي حتي خفت عليه أن ينفجر مني,نزل علي الشط مكفهراً لاعناً الدنيا ومن في الدنيا,تغلبت علي خوفي من هيئته الغاضبة ودنوت منه متودداً وقدماي لا تريدان حملي من الرهبة:
-حضرتك السيد حب؟أليس كذلك؟!
رد بدون أن ينظر إلي:
-كلا أنا السيدة أم موافي!
تنحيت له جانباً حتي يمضي,وسرت أعدو خلفه وهو يحاول ضبط أدوات تنكره,لقد نسي أهم شئ...لم يضع داخل ملابسه ما يثبت أنه امرأة!
-لا تنكر نفسك مني يا سيد حب!لقد عرفتك من البداية!
توقف وهجم علي:
-كيف عرفتني بحق الله؟!
لم أرد إحراج سذاجته في التنكر فقلت لست بكاذب:
-من يُحرم من الحب لابد أن يعرفه حين يراه...أرجوك لا داع للشجار معي أنزل يديك,وإلا....
-وإلا ماذا أيها الإنسان؟
-وإلا ناديت أهل المدينة أخبرهم بنزول السيد حب في برنا!
تراجع صائحاً:
-يا لحظي التعس جئت فجراً؛لأضمن خلو  البر من الناس ,ما الذي أخرجك من بيتك في تلك الساعة؟
-الضيق
قال مقلداً طريقتي متهكماً:
-الضيق!!..إفتح كوكاكولا تفرح!
-ماذا بك يا سيد حب؟
تساءلت وأنا أشعل سيجارة
-أعطني واحدة
بدأت أسير بجواره,وقد خلع عنه ملابسه السخيفة بعد أن ألححت عليه,مبرراً ذلك أن الناس لن يعرفوه حتي لو رأوه,فهم يقضون نهارهم وأمامهم غشاوة عن كل شئ إلا مواصلة العيش بأي طريقة وضمان لقمة في نهاية اليوم وسعيد الحظ من تفلح محاولاته وألاعيبه لنيل قطعة حشيش يعمر بها ليلته فهم بالنهار مساطيل من الهموم وفي الليل مساطيل من المخدرات.
بدأ يطمئن لي قليلاً,سألته:
-هل أفطرت يا سيد حب؟
-لا
-فلنذهب لمطعم قريب من هنا
-هل عنده فلافل طازجة أم يضحك عليك؟وأنت تبدو ساذجاً أصلاً!
-علي ضمانتي!
أفطرنا وشربنا الشاي وبدأت في دفعه للكلام
-هل أطلب لك كوباً آخر؟
-ليس الآن
-أنا سعيد جداً أني أجلس مع السيد حب ذاته
-شكراً
قطعت صمت طويل أعقب"شكراً"
-لن يصدقني أحداً لو قلت له أني قابلت السيد حب وجلست معهَ!
نظر لي نظرة ذات معني
-لا تقلق يا سيد حب لن يعرف مخلوق أنك هنا
-أنت تبدو شخصاً طيباً يا....
-محمود يا سيد حب
-أنت تبدو عليك طيباً يا ممدوح
-كلا! محمود
-حسناً يا محمود,أرجوك فلتناديني باسمي مجرداً فقد أكلنا عيش وملح سوياً.
-فبحق العيش والملح الذي أكلناه علي -حسابي!- فلتخبرني سبب مجيئك لبرنا في تلك الساعة و علي تلك الهيئة؟!
-سئمت!سئمت يا مسعود!
-محمود!...مم سئمت يا حب؟
-سئمت من البطالة والجلوس طوال الليل والنهار أستمع لإنكار وجودي وأنا ساكت,أري الكراهية تأكلني يومياً وأنا ساكت,أري البشر يتحاربون حروب كبري وحروب تافهة وأنا ساكت,لقد قضت علي الكراهية لعنها الله ولولا قلة من عشاق مخلصين يهمني أمرهم لكنت قتلت نفسي من زمان!
-........
-ماذا أقول لك؟....انظر حولك لتعرف موضعي من العالم,أنا"وهم أنا سراب"كما يقول كامل الشناوي وفريد رحمة الله عليهما!
-هون علي نفسك يا حب,أن الحياة بخير وألف من يحتاجك لكنك تحرمهم منك
-ماذا تقصد؟
-أقصد بصراحة أنك مقصر ولو رافقتني ليوم واحد في المدينة سأدلك علي الطريقة المفيدة في العمل
نظر لي باستهانة
-أنت!! لا يبدو عليك ذلك! لكن لنجرب,ماذا لدينا نخسره يا مشهور
-محمود!
قمنا لنتجول في المدينة فسمعنا صراخاً صادراً من طفل فجرينا مسرعين نحوه,فوجدناه يصيح من النشوة,رابطاُ كلب صغير لصندوق بلاستيكي واقف فيه وهو يضرب الكلب المسكين ليجره كما يري في التليفزيون!
-هذا أول عملك ياحب,هذا طفل صغير يعذب كلباً,هيا اذهب وقم بعملك
تردد قليلاً وقال بحرج:
فلتذهب أنت...فأنا...أنا...أنا أخاف الكلاب!
-وأنا أكثر منك! فلنذهب سوياً إذن....أليس معك أسلحتك؟
-أسلحة ماذا؟ هل تظنني كيوبيد أتجول حاملاً قوس وسهم؟لقد كنت أمتلك قديماً لمسة سحرية سرقتها مني الكراهية بعد أن ضربتني علقة ساخنة! لا تذكرني!
-فكيف إذن سندخل في قلب الطفل محبة الكلب؟
-ألم تر فيلم "الفرح"؟
-بلي رأيته في السينما مرة ومراراً في التليفزيون
-سأجيبك بطريقة حامد الكدواني...
-ماجد
أكمل حديثه وهو يقفز ممسكاً مايك متخيلاً في يده,مشيراً بسبابته للطفل والكلب:
-بالحب بالحب بالحب الحب!
دخلنا الحارة متوجين للطفل ربت الحب علي رأس الطفل بحنان,نزل علي ركبتيه وابتسم:
-ما اسمك يا حبيبي؟
نظر الطفل له بشراسة:
-أنت مالك يا عم,يا أمااااااه!
تدخلت بحزم:
-حرام يا ابني ما تفعله في الكلب اتركه!
صرخ في وجهينا:
-ماذا تريدون يا أولاد"......"يا أمااااه الحقيني!
خرجت لنا سيدة ضخمة في يدها "إيد هون",وعلي وجهها علامات سكاكين ومطاوي,تنظر لنا في وعيد, ذعر الحب من منظرها المرعب واختبأ خلفي في وجل!
أخرجت الموبايل من جيبي كأنه أهم شئ في العالم,وتكلمت بصوت عال منفعل:
-طب خليك عندك يا حسين,سنجئ لك حالاً!
-سحبت الحب من يده صارخاً:
-هيا بسرعة اجري كي نلحقه!
ركضنا حتي خرجنا من الحارة تلاحقنا تهديدات وشتائم المرأة المتوحشة.
بعد أن هدأت أنفاسنا قلت:
-آسف
-لا أنا من يأسف لقد أتعبتك معي بلا نتيجة,الكراهية قضت علي حياتي من زمان,ولابد أن نعترف بتلك الحقيقة!
-أرجوك لا تيأس يا حب!النهار أمامنا طويلاً وسأساعدك بكل مجهودي!
-لا كفي!
-ألم تكن تشعر بالسأم؟اعتبره يوم تغيير ولنقم فيه ببعض الإثارة
-لم تلح علي هكذا أليس وراءك عمل تقوم به؟
-أنا مثلك عاطل!
-.....
-آسف لم أقصد!
جذبته من يده "هيا بنا الآن لنحاول ثانية!"
قريباً من قسم الشرطة شاهدنا الحادثة من البداية,كادت سيارة أن تطيح بسيارة لولا ستر الله في اللحظة الأخير,نزل....أجل أنه هو...عرفته أول ما رأيته!صرخ بقوة ارتج لها الشارع:
-يعني إيه ماشوفتنيش
لم نكن نتبين ما يقوله المسكين الآخر في صوت خافت,وفكرت أنه الآن يتبول علي نفسه وحبست دمعة أسي,صرخ ثانية:
-إنزل!!
لم تغنه الجموع المحتشدة حوله ولم تحمه من لطماته الغبية,أراد الحب أن يتدخل فأمسكته وتلقي مني نظرة وعيد نارية سمرته مكانه في دهشة.
ظل يدفعه ويشوطه حتي رماه في البوكس,وما يتردد حولي إلا عبارات الأسي:"لا حول ولا قوة إلا بالله","راح الراجل","أمه داعية عليه","ربنا يرحمنا ويذل الظالم","حوش عبيدك عن عبيدك يا رب".
سرت لخطوات بلا وعي,لم أنتبه إلا والحب يدفعني ناحية الحائط بعنف:
-لماذا منعتني,من هذا الرجل؟
حاولت تخفيف الموقف,اصطنعت الابتسام وسألته:
-بما أنك متابع جيد للسينما المصرية فلابد أن تكون شاهدت فيلم عمارة يعقوبيان...
-أجل
-هل تذكر مشهد طه الشاذلي وهو يقول"هتكوا عرضي يا مولانا"؟...هذا واحداً ممن يهتكون العرض يا مولانا!
-ضابط شرطة؟
-هذا ما نعرفه عنه في الظاهر,الحكايات عن أسعد فرحات في برنا لا تنتهي,عائلة كلها من الضباط علي نفس الشاكلة,لكنه أكثرهم جبروتاً وقدرة علي فعل أي شئ,بدأت الأمهات تخوف أبنائها به ليسمعوا الكلام,سمعت أنه متزوج امرأة آية في الجمال,لكن لم يرها أحد يقولون أنه يحبسها ويمنعها من الخروج قارب الخمسين ولم ينجب من زيجات سابقة,هوايته المفضلة التضييق علي الناس أيام العيد,ينزل الشارع بقوة مدججة يلم من يجده أمامه,ذات مرة نزل بقوة صغيرة والتف حوله الناس وبدأت حركة تساؤل وعدائية من قبلهم,اغتروا بتجمعهم,فما كان منه إلا أخرج قطعة حشيش من جيب أحدهم-حلاق أحلق عنده- وأراها للناس كلهم,أخذه لوحده مسرعاً,وفي اليوم التالي لم يكن في الشارع سائر واحد,منع الناس من النزول بلا سبب,ظل يشتم كل من في الشارع باسمه طاعناً في شرف بنته أو أمه أو زوجته أو أخته بعبارات من تمرس في مهنة كتلك لسنوات طويلة,من نجا من تعذيبه نري علي جسده الأهوال... ناس من عندنا رأوه في البر الثاني يقسمون أنه كان يتلقي الصفعات علي قفاه من السادة الكبراء علي سبيل الدعابة,وهو جذل مسرور..وكفاية لحد كده!
كنا قد ابتعدنا عن قسم الشرطة,ووصلنا للجامع والحب في حالة اكتئاب نقلتها له شعورياً بلا قصد,لم يكسر صمتنا بعد ذلك سوي صوت الخطيب يجلجل متوعداً بالنار راوياً أهوال الجحيم ويوم القيامة,مصوراً الله علي هيئة جلاد تعذيب مقلداً بصوته صرخات المعذبين,شاهدنا وجهه علي الشاشة الموضوعة خارج الجامع,محمراً متشنجاً لم يتبق إلا أن يقذف المستمعين بالسماعات المجاورة له حتي يدفعهم لحب الله وطاعته,أسرعنا في السير وقلبينا تعتصرهما يدا الألم واليأس!
عدنا مرة أخري مكان لقيانا الأول,مشينا علي ضفاف النهر صامتين,هفتني رائحة الذرة المشوي لشراء كوزين,أكلت واحداً وأعطيت للحب الثاني,كنت أظن شهيته ستتأثر بكل ما شهدناه وما يزال اليوم في أوله,لكنه فاجأني:
-هات لي واحد آخر...اسمع...من الطري!
قطعنا الوقت بالفرجة علي الناس في الشارع,والحديث العام في أحوال الحياة,خلصنا أن مشكلات الإنسان لا حل رغم كل شئ,وأنه سيظل طوال عمره في عذاب ونكد,وأن الحب-الجالس بجانبي وعلي أسنانه بقايا الذرة المشوي-هو المعني الذي يستحق أن يري الإنسان الأشياء من حوله من خلاله,هو الانفعال الأصدق بين كل انفعالاته بلا أي ترجمة سيكولوجية أو فسيولوجية أو صوفية,الحب سيبقي هو الحب مهما تعددت تفسيراته,دقات القلب والانفعال والشغف,القلق والألم اللذيذ,الحلم والتمني,الوصال والجنس....كل تلك التعبيرات الإنسانية العامة عابرة القلوب والأزمان,قلت وأنا أنظر للسحاب في السماء:
-لو كان لطغاة التاريخ السفاحين القتلة وجدوا الحب والأمان العاطفي ما صنعوا بالعالم كل تلك الفظائع الدامية,المستمرة لليوم حولنا.
كان للحب رأياً آخر:
-أعتقد أن حبهم تجلي فيما فعلوه.
-كيف؟
-هم أحبوا الكراهية....أجل أحبوا التفرقة والعنصرية,القتل والتدمير,وجدوا فيه أنفسهم كما يجد العاشق ذاته بين أحضان محبوبته,أو الفنان في عمله.
-كل شئ في هذه الحياة ممكن ومعقول,لكن كل منا له معني ووجهة نظر في الحياة,بدونها ستختل الحياة أمامه ولن يقدر علي العيش, منذ زمن توقفت عن الجدال في أي موضوع تاركاً من يري شيئاً يستمتع به.لو كنت جئت من عام أو عامين وأنا في عنوان غروري الفكري دوجماطيقتي المشتعلة,لكنا جلسنا بالساعات نتجادل حول أمور كتلك...ماذا سنفعل الآن؟
سرح الحب ووجدته ينظر ناحية البر الثاني في تفكير عميق,قلت كأن ثعبان قرصني:
-لا تفكر حتي...مستحيل!
-فلنجرب هناك...
-البرالتاني...طالما خوفونا منه ونحن صغار...ولما كبرنا عرفنا أنه عالم مخيف فعلاً

قال بلهجة ذات مغزي:
-لكن نساؤه جميلات!
-يقولون ذلك
بنفس اللهجة سأل:
-ألم تر واحدة منهن؟
-الأمر معقد!
-معقد كيف؟
-.......
-تكلم!
-حلم....حلم يراودني عن فتاة تنتظرني هناك,حكيته لأصدقائي مرة ونحن جلوس علي ناصية الشارع,فضحكوا وأضحكوا عليّ البر كله,توقفت عن الكلام فيه,لكنه يتكرر دوماً!
-ماذا يحدث في الحلم؟
-لا شئ مهم
-كلا أريد أن أعرف
-كبت من الضغوط يظهر في تحرر العقل في النوم لا أكثر...أصدقائي نصحوني أن أتغطي جيداً!
-من يعلم؟!...قد تتحقق الأحلام يوماً...أنا أحلم في النوم واليقظة,أن أملأ قلوب البشر,وأن أذبح الكراهية وأحرقها وأنثر رمادها في الهواء,أحلم أن أكون كالماء والهواء بالنسبة للبشر,أحلم أن أصلب المشاعر المدمرة علي صليب الأمل!
-سأصارحك فقط لأنك الحب.الحلم تطور لخيال أراه يجلس بجانبي ,أحدثه فلا يرد عليّ,أراه ساهماً كأنه يراني من نافذة بعيدة!
-هل تتعاطي شيئاً؟
-حسناً...فلنغلق هذا الموضوع! ماذا تنوي أن تفعل؟
قام الحب حتي وصل لمكان زورقه,قفز فيه وأشار لي بالمجئ,صاح:
-البر التاني
" من يعلم؟!...قد تتحقق الأحلام يوماً..."
مدفوعاً بقوة مجهولة وجدتني أقفز في الزورق ,أجدف بمجداف والحب بمجداف.لفت انتباهي اسم الزورق"”titanicبحروف حمراء كبيرة,قلت لا ينقصنا في تلك الرحلة إلا"البت بتاعة طيطانيك".
مضي بنا الزورق علي وجه المياه في هدوء,وأنا ألوم نفسي علي تركي لبري مخاطراً لأجل حلم!من بعيد وصلت إلينا صوت صياد يغني موالاً:" سلطان جمالك على أهل الغرام حاكم
وحارس الخال فوق ورد الخدود حاكم
شفتك عشقتك
فراقب ربنا الحاكم
يا باهر الحسن إسمح لى بوصلك يوم
دا الصبر عنى رحل والشوق اهو حاكم"
طربت حتي كدت أن أقع من علي الزورق,ولاح البر التاني فامتلأ قلبي بكآبة صامتة,وشعرت أني لن أعود برنا أبداً!
2


تركني الحب علي بوابة البر التاني بحجة"تسليك"طريقة دخولنا,أطفأت السيجارة العاشرة في انتظاره مردداً في تأمل قول نيتشه"إحراق واحتراق...تلك كانت حياتي",قبل أن أدوس شعلتها المتوهجة بحذائي,قارب وقت العصر,قلبي ينتفض من مجرد فكرة أني علي بعد خطوات من مجتمع البر التاني,الضحكات البناتية الدلوعة وأصوات الشباب يمرحون وصلتني لما استندت بظهري علي السور لأريح قدميّ,تري كيف يلهون في البر التاني,البنات عندنا ذروة ما يفعلونه من لهو الجلوس علي الإنترنت وسط مخاوف واتهامات من الأهل,والشباب إما يلعب كرة أو يجلس علي المقهي,بالتأكيد لم أستطع تخيل عالم البر التاني,الأصوات فقط هي من نشطت خيالي,أصوات محركات السيارات كانت مرعبة,السيارات لا تدخل حارتنا,حارتنا الطويلة بالكاد يتمكن التوكتوك من دخولها,أغان أجنبية عالية الصوت,مشيت بجوار السور العالي فاشتممت رائحة زهور,بالتأكيد بجانبي تماماً حديقة يحجبها عني السور,كأني في مغامرة من مغامرات ألف ليلة وليلة,ندمت علي المجئ وهممت بالرجوع,لولا سماعي صوت الحب يناديني,التفتت بفزع حولي فلم أجده.
-أنا خلف السور,سألقي لك حبلاً تمسك به ولا تحدث ضجة وإلا سأفلتك تقع وأنجو بنفسي!
بعد تردد:
-احدفه,لا تخف!
عالم آخر.....بدلاً من الكلام الكثير سأكتفي بقول"عالم آخر"تعبيراً عما يمثله لي البر التاني,عالم شعرت أني سألوثه,لم تهدأ ضربات قلبي حتي اطمئننت أن لا أحد يهتم بوجودنا لا أنا ولا الحب,وكالعادة في تلك المواقف كان لابد للحب أن يقول العبارة المعتادة في تلك المواقف:
-كن عادياً حتي لا يشك فينا أحد
قلت:
- ليتني ما طاوعتك!هيا بنا نعد.من يحتاجك هنا ياحب؟
بجدية تامة قال:
-فتاتك.
-فتاتي؟! أي فتاة!
بثقة مستفزة أجاب:
-فتاة الحلم.
مسكت نفسي بأعجوبة حتي لا أصرخ:
-أنه مجرد حلم
-حلم وخيال!
-أجل حلم وخيال
-هما أصدقائي وأنا أعرف متي يصدقان ومتي يكذبان,وفي حالتك صدقا!
-كيف عرفت؟ألم تتهمني أنني أتعاطي شيئاً؟
-أرجوك لا تتدخل في عملي!أنت من البداية أردت هذا ولم تصاحبني إلا من أجل هذا,لا تنس أنني الحب,ولا زالت لدي بعض القدرات الخارقة,علمت هذا منذ لقائنا علي الضفة وتركتك أنت تتوهم أنك تحركني بينما أنا من يتحكم فيك حتي نصل إلي تلك النقطة,نقطة اللاعودة,فتاة قلبك هنا وأنا أؤكد لك هذا,أما غير ذلك فلا أعرف,والآن ماذا ستفعل؟
نظرت إليه بوجهي كله كأني أول مرة أراه,ومرت علي ذاكرتي المشاهد كلها منذ جلوسي علي الضفة وحتي دخولي لهنا.
-لماذا تقف هكذا؟هيا تحرك!
تحركت مأخوذاً بما يحدث لي,شعوري أني دخلت حكاية من ألف ليلة وليلة لم يكن كاذباً...عموماً...كل إنسان سجين تجاربه وخبراته ومعارفه ينظر للحياة من خلال نفسه التي كونتها الظروف بمعناها الواسع,ويعطيها معني وغاية ويفسرها كما يحلو له,وكما تؤهله ثقافته وتجاربه,المعني الوحيد الذي يستحق أن يكون معني هو الحب,من لم يذقه لا يعرف ماهية الدنيا ولم يشعر بها قط,أكبر مخاوفي ألا أجد الحب,وهاهو الحب كله بجانبي يؤكد لي أنها هنا,وفي كل الحالات ليس عندي ما أخسره,أقصي ما قد يحدث أن آكل علقة محترمة تقعدني في المستشفي أياماً طويلة,ورمية علي ضفة النهر حيث يلطقتني أي زورق عابر....كل الأثمان رخيصة أمام قيمة الحب.
كأن الحب يقرأ أفكاري:
-إذن.... ليس علينا إلا أن نبحث.
-.......
-أنت تعرف شكلها؟
-أمامي في كل لحظة... معي وهي بعيدة معي, خيال وشوق يزيد داخلي, كل شئ حولي يذكرني بها,كل نور في عيني يشرق من ضحكة عينيا, ,ها هي خطوتها,هاهي همستها,هاهي ضحكتها,...
قاطعني بلين:
-حسناً يكفي!...هل تستمع لأم كلثوم كثيراً؟
-طوال الوقت...لكن لماذا؟
-لا تأخذ في بالك...تلك هي فرصتك الوحيدة,صدقني يا معروف...
-محمود
-أنا لا أظهر لشخص مرتين في حياته,لكن الناس يخلطون بيني وبين التعاطف والشفقة والحنين والمشاركة وبقية إخوتي؛لأنهم يشبهونني فعلاً,أما أنا الحب,فلا أظهر إلا مرة واحدة.
-هل الكراهية هي السبب؟
-لا..الكراهية بريئة من ذلك,تلك هي طبيعتي وطبيعة الحياة وطبيعة الناس,والآن هيا بنا نبحث عنها.
-ليت الحياة بهذه السهولة! نبحث ونجد!
-لا مفر من البحث علي كل حال...!
مشينا ومشينا ومشينا,ومع كل خطوة كنت أتطهر من كافة المشاعر الأخري,تطهرت تماماً من الكراهية,لم يعد لها علي سبيل,امتلأ قلبي بالحب,كيف أكره وقلبي عاشق,وتمنيت لو يجد كل مجنون سفاح في هذا العالم القاتم امرأة قلبه,أو يتهيأ للبحث عنها بدلاً من أن يحمل بندقية ويروع في خلق الله,أو يمسك كرباجاً ويجلد بدعوي شرع الله!
في كل خطوة كنت أجدها تقترب مني وامتلأ بالنشوة,النشوة لإيجادي السعادة,نظرت للحب نظرة خفية,معقول هل هو هرمون يمنح هرمون ربما تحول لإدمان!
ظل الحب يتحدث و أنا لا أستمع إليه,كنت مشغولاً بالإنصات لقلبي وهو يحدثني عن الحب!لم أنشغل بالبذخ حولي والهيلمان المنصوب,لو جئت لهدف آخر هنا لاضطربت وخفت وحقدت وكرهت وغرت,أما والحب يملأ قلبي سرت بثقة وأمان,مبتسماً لكل من أقابله حاملاً الأطفال الصغار لمداعبتهم متمتعاً بمنظر الغروب الوشيك,أسير بخطوة خفيفة لم يجاريها الحب نفسه,فأخذ يستمهلني وأنا مشغول بما في قلبي,الليلة سأجدها...فجأة دهمني سؤالاً خلعني من جنتي وأحل في قلبي الهم,التفتت للحب في جزع:
-ماذا عنها هي؟! كيف ستكون ردة فعلها؟
-لا أعرف! لكني أضمن لك مساعدتي علي كل حال
-كيف؟!
-لا زالت عندي بعض الحيل من أيام الشقاوة!
لا مفر من التجربة,أملي الوحيد أن تكون رحيمة بي,فما جئت إلا سعياً وراء الخير..سعياً للحب.
تعبت قدمينا من المشي,فجلسنا علي أول"كافيه",خضني بذخه في كل شئ,لم أجد من يشبهني سوي الولد ماسك المناديل أمام الحمامات الرجالي,الوحيد الذي شعرت بالألفة معه,كان الكافيه كبيراً وواسعاً,مزدحماً بالناس,مما جعلني آمل أن أتوه وسط الزحام فلا يأتي النادل يسألني عما أريده,تحسست جيبي وقرأ الحب ما في عيني:
-بمجرد أن نراه يقترب سنقوم مسرعين لنلحق حسين!
لم أتمالك نفسي وضحكت غصباً.
بالكاد كنا نسمع بعضنا,صوت مايلي سايرس كان الأعلي في الداخل,مغطياً علي دوي الزحام,منطلقاً من سماعات لم أتبين مكانها,وشاشة ضخمة تعرض كليب"wrecking ball" تتأرجح علي كرة التحطيم وتقول صادقة والتأثر باد عليها وعارية تماماً:
"I put you high up in the sky
And now, you're not coming down
It slowly turned, you let me burn
And now, we're ashes on the ground

Don't you ever say I just walked away
I will always want you
I can't live a lie, running for my life
I will always want you

I came in like a wrecking ball
I never hit so hard in love
All I wanted was to break your walls
All you ever did was wreck me

I came in like a wrecking ball
Yeah, I just closed my eyes and swung
Left me crashing in a blazing fall
All you ever did was wreck me
Yeah, you, you wreck me
"
لا أحد يعرف هل تقلد الأفلام الحياة,أم تتأثر الحياة بالأفلام!.. كما يحدث في الأفلام تمهيداً للنهاية....رأيتها هناك في ركن بعيد جالسة تنظر للشباك ساهمة! هي بشحمها ولحمها هذه المرة,تجمد الدم في عروقي وكأنه فيلم كرتون,اختفي كل ما حولي وبدوت وحيداً معها علي كوكب الأرض,نحن فقط من نبرز علي سطحه نبدو سوياً ضخام الأجساد كل منا يحتل نصف من الكرة,لو انتهز الفضائي المكلف بمراقبة الأرض من بعيد محتاراً يتساءل"هل علي هذا الكوكب البعيد الصغير الأزرق حياة؟"تلك الفرصة لأثبت أنه رأي الحياة عليها,رأي اثنين يتشابهان ولا يتشابهان,يربطهما"حبل سري خفي"لا يراه سوي الفضائيون المغايريين لطبيعة البشر,لعلم أن الحياة هنا تدب,وأن القلوب تدق سابحة في ملكوت السماء,وكان ليحتار"أليس علي هذه النقطة البعيدة أشياء أخري؟"
أيقظني صوت الحب من تهيؤاتي,أخذ يهزني حتي استفقت,وبلا كلمة نظر ناحيتها,وسبل عينيه حتي ظننت أن الحب وقع في هواها,أخيراً قال:
-كما كنت تراها في الحلم!
دفعني الحب ناحيتها وأنا لا أكاد أعي شيئاً,تجمدت كل حواسي إلا قلب يكاد ينفجر الخفقان,أخيراً شعرت بوجودي,ليت الحلم كان أطول لأعرف ما سيحدث,نظرت لي بدهشة من عينها السوداوتين الناعستين,فجأة وجدت في يدي وردة يبدو أن الحب دسها فيها دون أن أحس,الحب بسيط لا يعرف التعقيدات ولا الخطط,فقط اتركه يدفعك هو يعرف السكة,عدلت خصلتها المحتضنة أذنها,رفعتها في توتر بسبب وجودي المباغت,من فرط اضطرابي أسقطت الوردة,انحنيت لألتقطها وقبل أن أعود لوضعي السابق ظهر الحب بيننا فجأة:
-اعذري صديقي يا آنسة فهو خجول قليلاً....
أوقعت الكرسي وأنا أقوم من انحنائتي
-جداً....خجول جداً!
همس في أذني:"لمسة سحرية أخيرة,ليست خسارة فيك"
-هو يهدي لك شيئاً يتمني أن تقبليه منه!
أشار علي الشاشة في لحظة ظهرت عليها روبيرتا فلاك,تغني علي البيانو:" The first time ever I saw your face
I thought the sun rose in your eyes
And the moon and the stars were the gifts you gave
To the dark and the end of the skies

The first time ever I kissed your mouth
I felt the earth move in my hand
Like the trembling heart of a captive bird
That was there at my command my love

The first time ever I lay with you
And felt your heart so close to mine
And I knew our joy it would fill the earth
And last 'til the end of time my love

The first time ever I saw your face
Your face, your face, your face
"

جلست بلا وعي,ولمع صليبها الذهبي المعلق علي صدرها الناهد,ضحكت عيناها,فضحكت,حانت مني التفاتة للخارج,فرأيت عبر الشباك الحب جالساً علي السور,مشيراً بيده علامة علي الوداع,ثم قفز خارج السور,تاركاً إياي وحدي في بر غريب,لم يخفف غربته سوي قلب الحبيب...ولم أكن أريد سواه!وشعرت لأول مرة بالامتنان للحياة!