الخميس، 15 مايو 2014

....لأنهم لا يصالحون!



سؤال يوسف زيدان:
لماذا قالتِ العربُ ، قديماً : لولا الإسلامُ لأكلتْ تَغلِبُ الناس .
تلك المقولات العامة مجهولة القائل,لما تنتشر وتتداولها ألسنة الناس كأنها حقيقة ثبتت بالتجربة,إنما تعبر عن وعي جماهيري عام بظاهرة معينة,ومنها تلك العبارة"لولا الإسلام لأكلت تغلب الناس"تعطينا دلالة واضحة عن رؤية العقل الجمعي للعرب لتلك القبيلة وتُستوضح تلك الدلالة أكثر,في السير الشعبية الخالدة من جيل لجيل,فالسيرة الشعبية الشهيرة"الزير سالم"هي للمهلهل ابن ربيعة أحد أشهر التغلبيين في طوال تاريخها,ولقصته الدرامية وشخصيته العنيدة وحبه لأخيه تحول لشبه بطل أسطوري في الخيال الشعبي العربي الذي اعتبر"إنه لولا الإسلام لأكلت تغلب الناس"...سيرة الزير تقدمهم علي أنهم كانوا يأكلون الناس حرفياً!!
".....وتقدم الزير وضربه بالسيف علي رأسه فقطعه ثم وضع فمه علي عنقه حتي مص دمه وكان الجرو ينهش في لحمه حتي شفي فؤاده ونال مراده"هكذا تبرز السيرة الشعبية كيف كان الزير وابن أخيه كليب يتعاملان مع أعدائهم,وتبرز لنا شخصية المهلهل المُهاب قاتل الفرسان الذي لا يلين والأخطر من ذلك دور المرأة  في مسار الحرب ,فحرب البسوس بدأت بامرأة سميت الحرب علي اسمها-في أشهر الروايات-وفي السيرة لما رق قلب الزير لجليلة وقرر أنه  سيوقف الحرب لو وافقت اليمامة ابنة كليب...ولكن ابنة كليب المُوصي أخاه بدمه قبل أن يموت وهو عطشان:" يقول كليب اسمع يا مهلهل - - - مذل الخيل قهار الأسود
على ما حل من جساس فيا - - - طعني طعنة منها بعود
ايا سالم توصى باليتامى - - - صغار بعدهم وسط المهود
واسمع ما اقلك يامهلهل - - - وصايا عشر افهم المقصود
فأول شرط اخوي لا تصالح - - - ولو اعطوك زينات النهود
وثاني شرط اخوي لاتصالح - - - ولو اعطوك مالا مع عقود
وثالث شرط اخوي لاتصالح - - - ولو اعطوك نوقا مع كاعود
ورابع شرط اخوي لاتصالح - - - واحفظ زمامي مع عهود
وخامس شرط اخوي لاتصالح - - - وقد زادت نيراني وقود
وسادس شرط اخوي لاتصالح - - - فان صالحت لست اخي اكيد
وسابع شرط اخوي لاتصالح - - - واسفك دمهم في وسط بيد
وثامن شرط اخوي لاتصالح - - - واحصد جمعهم مثل الحصيد
وتاسع شرط اخوي لاتصالح - - - فاني اليوم في ألم شديد
وعاشر شرط اخوي لاتصالح - - - والا قد شكوتك للمجيــــد"
لم يكن يُنتظر منها أن تقبل...إلا بشرط واحد-مستحيل تحقيقه!-:
"إنا لا نصالح حتي لا يبقي منا أحد يقدر أن يكافح وإذا كان عمي عجز عن قتالكم فأنا أنوب عنه وألتقي أبطالكم ثم ختمت الكلام بهذا الشعر والنظام:
قالت اليمامة من قول صادق    ياجليلة اقصري عنا عناكم
أنت وأخوالي وكل عشائري    لا يزيد لفظكم ولا لغاكم
قتلتم الماجد والدي كليباً     غدراً وماله ذنب معاكم
جساس طعنه من قفاه بحربة   ودعاه الغبرا حقير حداكم
و إنا وإخوتي بقينا بذلة         نمسي ونصبح ولا ننسي بلاكم
إنا لا نصالح حتي يقوم والدي   ونراه راكب يريد لقاكم
لو عاد كليب للحياة حينها فقط سيرحم التغلبيون بني بكر ويرفعون عن أعناقهم السيف الذي أذاقهم كلهم الموت,سيف المهلهل الذي علي بني بكر أقسم :"برب الأنام إني لا أترك منكم شيخ ولا غلام ثم مال وجال...."
كليب الذي كان يضرب به المثل في العز,والجبروت والسطوة حتي أنه سمي كليب لجرو كان يطلقه لو أعجبته أرض ويكون حد سيطرته علي الأرض الموضع الذي ينقطع فيه صوت الجرو! بل كان يحمي مواقع السحاب في السماء ويحمي الوحش في الأرض فلا يُهاج! حتي جاءت القشة(الناقة) التي قصمت ظهر احتمال أقاربه بعد أن ملكوه عليهم عقب يوم خزار فكان منه ما كان,فكانت سبباً لاندلاع الحرب أربعين سنة,وبعد مئات السنين استنطقه أمل دنقل مرة أخري في واحدة من أروع قصائده وأشهر القصائد في القرن العشرين "لا تصالح",تلك الصحية العصية علي الموت والفناء كلما واجه العربي خيارين إما الدعة والراحة أو الحرب والقتال,دوماً يجد تلك الصيحة ترن في أذنيه أما من يحدد النتيجة فصاحب القرار الذي يُنادي أما المنادي فهو هو في كل عصر,يرفعها أمام قومه؛لأنه أكثرهم مصاباً فيحمسهم باسم ما جري له أن يندفعوا في الحرب حتي ينال ثأره,تلك صيحة عربية لظروف العرب السوداء لن تسكت أبداً,والأسود من ذلك أنهم مؤخراً يرفعونها في وجه بعضهم انتقاماً من بعضهم!! تستعيد الفرق المتحاربة دنقل في مصر وسوريا-وحال سوريا ليس كأي حال!!!- وما كان دنقل يتصور أن تكون تلك نهاية قصيدته اليوم ,بعد أن أطلقها لأخيه العربي لما رآه هادن للسلام  والحرب مشتعلة بعد مع إسرائيل حتي ولو سكت الرصاص!
الهلالية وسيرتهم ليست بعيدة عن تغلب,بنو هلال تنسبهم السيرة لقبيلة تغلب,أي أن امرؤ القيس والزير سالم وعمر بن كلثوم وأبي زيد الهلالي يرتبطون برابط تغلبي بطريقة أو أخري,وكلهم عرُف عنهم سعيهم استخدامهم للسلاح كأداة أولي لحل أي نزاع ينشب,واعتزازهم بأنفسهم الذي يقارب الطغيان,حتي أن السيرة الهلالية تبرز أبو زيد الهلالي من صغره قاتلاً وهو بعد في الكتاب,فبتدبير من سعيدة جارية أمه خضرة الشريفة يقتل شيخه-الفاسد- في الكتاب صالح وهو بعد صغير وجودة ابن أخو الملك فاضل أخأ!!ويحارب بعدها رزق بن نايل والده فارس العرب وقبلها يقتل عطوان وجاسر وجسار وداغر وجايل الذي كان يسلط الجن!حتي يناجي الملك سرحان نفسه يائساً: "ده بهدل رجال بني عقيل
تروح فين فيه
الهلايل؟
نهاري ضَلَّم بَقَى ليل
أجيب منين رزق بن نايل؟"
وسيرة الزير سالم لها صدي كبير من الناحية الدرامية والفنية في سيرة أبي زيد الهلالي
الأبطال الذين شغلوا مكانهم الخالد في إلياذة العرب رزق بن نايل وأبو زيد ودياب بن غانم وزيدان بن زيان ويحيي ومرعي ويونس أولاد أخت أبو زيد,لهم أصول تغلبية تظهر في آخر صفحة من سيرة الزير سالم,وسيتنبأ بهم حسان اليماني في بداية السيرة من ضمن ما سيتنبأ:"
وتظهر في بلاد الشرق عصبة     فيقصد جيشها غرب البلاد
هلال وعامر مع بني قيس     يريدوا حرب حمير مع أباد
حسن أميرهم فخر البرايا    وبعده دياب قهار الأعادي
وأبو زيد عمه ليث أروع     شديد البأس في يوم الطراد
يطوفوا البلاد فيملكوها      ويسبوا العدا أهل العناد
ويمحوا العجم من كل طاغ   بأرماح وأسياف حداد
أما حكاية تأسيس كليب لدولة فما أظن أنه كان سيفلح وإن فلح فستكون محدودة وهمجية إلي حد كبير مقارنة بالدولة التي أسسها النبي وجعل نواتها قريش,قبيلة التجار والمال صاحبة المركز الديني المرموق المرتبط بالكعبة,المُلك الذي حاول وضع أساسه قصي بن كلاب ثم عبد المطلب بالدين تارة والتنظيم السياسي تارة,ثم اكتمل مع بعثة محمدالسابق عليها إرهاصات حنيفية تجلت عند مجموعة من الحنفاء كأمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة وورقة ابن نوفل وغيرهم,كان مُلكاً لا يلجأ للسيف قبل أن يفكر بعقله ويوازن بين الأمور ولو وجد الخير في غير الحرب لسعي بلا تردد,كما أن الحُلم بملك العرب والعجم لا يكون إلا بشرائع وقوانين تحد من قوي الشر الإنساني التدميرية  تحث علي الخير البناء لإنشاء دولة حقيقية قادرة علي الاستمرار,ولم يوجد ذلك إلا في رسالة النبي لقومه,مع الأخذ في الاعتبار أن العرب لن تنقاد لواحد منهم لو لم يؤمنوا بأفضليته القادمة من السماء وأحقيته في الملك المستمدة من من الله وقد كان النبي من الوجهة السياسية الدنيوية حاكماً في قومه وبعد موته كان مكان الحاكم شاغراً فحدث ما حدث في السقيفة, وهو ما عبر عنه ابن خلدون في مقدمته:" "إن العرب لا يحصل لهم الملك إلاَّ بصبغة دينية من نبوَةٍ أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة، الوازع عن التحاسد والتنافس فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب منهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإِظهار الحق تم إجتماعهم وحصل لهم الملك والتغلب"
فلظروف سياسية واجتماعية واقتصادية كانت قريش هي الأنسب لقيادة بقية العرب تحت لواء الإسلام,ولو لم يكن الإسلام لأكلت تغلب الناس....ثم أكلت نفسها بنفسها!
لولا الإسلام ما كان للعرب أن يكون لهم هذا الذكر في التاريخ والمشاركة في تغيير العالم,فالسيوف والحروب لا تقيم الدول و المجتمعات.
الحق أن الحس التغلبي لم ينته من العالم,فنحن نجده عند هتلر-مع الفارق في كل الأمثلة بالطبع- والمغول والمجانين من مدعي الإسلام في سوريا,الدموية والرغبة الشديدة في القتل ضرباً بكل القيم الإنسانية في سبيل تحقيق ذواتهم عن طريق الحرب والقتال.
فقد كان شعار بني تغلب ما قاله شاعرهم عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهل أحد علينا    فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وهذا شعار لا يؤسس لدولة ولا يعمر بيتاً!بينما نجد كعب بن زهير بعد أن هجا الإسلام والمسلمين حتي توعده النبي يستعطفه بقوله:
أُنبئت أن رسول الله أوعدني     والعفو عند رسول الله مأمول
وبالفعل يعفو عنه النبي ويعطيه بردته! وهذا دأب من يسعي لالتئام الصدوع علي يديه ليكون البناء عفياً.ولم يعرف محمد تلك العداوة العمياء الكريهة,فقد نادي في أصحابه قبل غزوة بدر المصيرية ألا يقتلوا البختري ابن هشام لأنه لم يكن يؤذيه بالقول ولا الفعل,فلم ينس أن يوصي به ودعوته في أحرج مراحلها وأول معاركها.
ويبدو أن مسيحية تغلب كانت كإسلام الأعرب في العرض القرآني:" قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "
فتسامح ورحمة المسيحية مضرب للأمثال,ونموذج يقف أمامه المتأمل خاضعاً لسطوة المشاعر الطيبة التي تأسر قلوب المطلع علي معاني المسيحية وتجلياتها يكفي مثلاً قول المسيح:" سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضًا. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا. ومن سخرك ميلا واحدًا فاذهب معه اثنين. من سالك فأعطه ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده" ليتأدب الإنسان ويكف أذاه مهما صغر عن عن أي مخلوق,بينما نجد الزير يردد في شعره:
" قتلوا كليبا ثم قالوا: أربعـــوا        كذبوا ورب الحــــل والإحرام
حتى نبيد قبيــلة وقبيــلة           قهـــــرا وتفلق بالسيوف الهام
ويقمن ربات الخدور حواسرا        يمسحـن عرض ذوائب الأيتام
حتي نري غرر تجر وجمة     وعظام رؤوس هشمت بعظام
حتي يعض الشيخ من حسراته   مما يري جزعاً علي الإبهام
والسيرة الشعبية تحكي إنه قاتل مع اليهود ضد المسيحيين بعد أن ضُرب بالسيوف ونجا ورمي في البحر ونجا!
وقد يكون احتفاظها بالمسيحية ورفضها دخول الإسلام ودفع الجزية واستبدالها بضعف اصدقة أنفة من أن يؤخذ منهم"جزية",مجرد تعبير آخر عن تمردهم ضد القوة الجديدة الناشئة,وقوم تلك طباعهم كان لابد أن ينتصروا ويكون اسم قبيلتهم"تغلب"من الغلبة.
قولهم كان تعبيراً لفظياً لصورتهم الذهنية عن قبيلة تغلب,تغلب التي لولا نزول الإسلام لكانت أكلتهم كما تصوروا,وحتي بلا تغلب يكفينا تخيل حال العرب-والمقصود بالعرب تحديداً سكان شبه الجزيرة العربية-بدون إسلام!!!

هناك تعليق واحد: