الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

لو اجتمعت معهم..

لو اجتمعت معهم..

مع انتهاء ليلة طويلة سهرت فيها بلا جدوي,أسافر فيها بين أنفاق عقلي من ذكري إلي إحساس مروراً بالأشجان والانفعالات المبهمة والاضطرابات القلقة,ظهر عندي علي الفيسبوك إشعار يخص نشر دينا نبيل في الحوليات التدوينية,قبل ذلك بثوان كنت أنظر للشباك متأملاً,استمع لحوار يدور بداخلي:"
-إيه ده!هو ده بقي الفجر الأزرق اللي بيقولوا عليه؟
-هم مين دول اللي بيقولوا؟
-"......."يا نهار أسود,ده ممكن مايكونش فيه حد قال كده وأنت متهيألك
قطعه نظرة تلقائية لشاشة اللاب توب,كان هناك من سنوي الحضور,ومن تمت دعوته,وأنا داخل كمتطفل,وبرغبة مكبوتة في المشاركة بأي شئ كسراً لوحدتي اللانهائية,وسط عالم أحمق مجنون يظن أنه علي صواب,وصل به الجبروت علي قهر أي شخص يعترض,لا يرحمه,يجعله جزءً منه,أنت اليوم الشاب المتمرد الحالم بالثورة والآمال تملأ قلبك وعقلك مع مشاعرك يفوران بداخلك,مع الوقت سيتم قصقصة ريشك لتصبح كفرخ دجاج منتوف يبحث عن الحب وشربة ماء,عزلة لا يخرجني منها إلا أصوات زاعقة لا تهدأ تتجادل وتتعارك بداخلي,وهناك قتلي وجرحي أيضاً,رغم تجهم وجهي وجمود ملامحه,كأنه ستارة صماء يخفي ما يحدث خلف الكواليس,ليلة من الليالي العديدة التي يخرج فيها من داخلي الأشباح ليدوروا حولي في الغرفة أراقبهم بصمت كيلا تنزعج عائلتي النائمة,أجازة صيف من الخرابة-لو كنت تعرف ما تعنيه عندي الخرابة-,وجدتهم كلهم هناك,مجموعة كاملة من الشباب المبُشر,لا يزال يشعر ويفكر وسط طوفان الماديات والاستهلاك لم يترك عقله ولا روحه نهيبة لأولاد الزواني ليأكلوه,يخدعونهم في الخارج ويشاركونهم ما هم فيه من هراء وربما استمعوا لحكاية ساذجة أو موقف تافه باهتمام,كأنهم سرقوا من ذواتهم,يتحايلون علي الحياة هرباً من الغرق فيها بكل سوئها وقسوتها,اجتمعوا يكتبون ويسألون ويتناقشون ويحكون ويتحدثون,في فكرة تحولت إلي حدث ومناسبة قامت برعايتها وترتيبها لبني أحمد؛لتجمع من يحتاجون للتجمع فعلاً,أنا أعرف أن تلك المناسبة غيّرت من الكثيرين أنا أحدهم تلك أول تدوينة في المناسبة http://wwwmahmoudkadrycom.blogspot.com/2013/07/blog-post_30.html,لا أحد يسمع أحد ولا يهتم واحد بواحد علي هذا الكوكب,باستثناء من وجدوا الحب الحقيقي فقط,هؤلاء لا يحتاجون للكلمات ولا الكتابة للتعبير,يكفي فقط أربع عيون تتلاقي في نظرة واحدة,تحكي كل مالا يمكن التعبير عنه,نظرة واحدة تتغلب علي قواميس اللغات,ومراكز الذاكرة,وخلايا المخ,واهتياجات المشاعر,لكن الحب نعمة لا يمنحها الله للكل؛والكتابة ليست مثار اهتمام اليوم,فاليوم نحن نرقص ونلعب الكرة ونبلطج علي الشاشة,ونستمع لقئ من أفواه مغنيين موالد,ونكره الكتب بفعل منظومة متخلفة هي كل أسباب الفشل والتخلف في مصر,التعليم الذي تحول مدارسه في أكثر من حادثة مؤخراً لمكان مناسب للممارسة الدعارة,وجامعاته خرابات يتم فيها حيونة الإنسان المصري,وأكبر دليل علي ذلك أنه لا يشعر ولا يفهم,وربما سألك بغيظ وحقد لو رآك تتأمله مشفقاً علي حاله:"إييييه مالك!!فيه أيه؟!"حدثت لي مرة مع أحدهم فأجبت بصوت هامس:"يابختك.مش عارف فيه إيه.
في الحوليات وجدت صديقات وأصدقاء,كل واحد منا في مكان,تجمعنا نفس الغواية القاتلة,وجدنا فيها متنفساً هنا,حيث أنت تكتب مرة وتقرأ أخري,وأعترف أني لظروف سفري اليومي للخرابة لم أعد أتابع ما يُكتب هنا,أقرأ فقط في الموصلات وأجئ لأنام,وربما شاهدت فيلماً أجنبياً وقرأت قليلاً,ثم أعود مرة أخري للنوم!ناعياً كل آمالي وطموحاتي التي ظهر أنها مجرد سراب,ربما لن نفهم تلك التدوينة إلا بتلك http://wwwmahmoudkadrycom.blogspot.com/2013/10/blog-post_6.html......بالأمس أُجبرت لدواع غيابية يتبعها أنذارت لحضور فيلم"الرجلان"لزعيم الأمة ومفجر ثورة يونيو وربما يوليو أيضاً,ماذا يُمكن أن ننتظر من شاب كان يحلم بنوبل ثم استيقظ علي توفيق عكاشة!
لو ذهبت إليهم وأنا من الصعب أن أفعلها,ولو فعلتها واجتمعت سأتنحي جانباً لأدخن سيجارة,كل السجائر تحولت للفة زبالة ربما أقلع عنها فعلاً,وذلك أمر مريب,من يمنع عنا السجائر الجيدة؟!أغيثوا أبناء الوطن!!أبتعد لأدخن سيجارة ويتسلل لأذني عن طريق الذاكرة صوت المطربة الموريتانية معلومة:"ياحبيبي يا ملاكي كيف أصبحت بعيداً..عن عيوني عن فؤادي عن شجوني يا وحيداً",يقطعها ظهور مفاجئ لعبمقصود بتاع الإعلام":تعالي وأنا أقولك فين",ثم تظهر أصواتي"
-أنا عايز نروح
-"......"ياله أومال إيه اللي جابك أصلاً,ولا هي قلة أدب و"........"وخلاص
-الله يخرب بيتك
ربما رأيت طارق,نسلم علي بعضنا وقبل أن يجذب يده من يدي يصرح بلهجة قريبة من اللهجة المصرية"علي فكرة أنا مش هاتجوز...أنت عارف كده ولا لأ",سأسأله عن سوريا-عن أي سوريا سأسأل!!!-اسأل وأنا خائف علي مصر,وربما سألته كما سأل أحمد عيد أحمد آدم:"هو رقم سولاف كام؟
لبني ستكون موزعة علي الكل تتأمل ما فعلته,وتعيد توقعاتها للحدث لتعرف هل حين كان بذرة,تصورت له كل هذا التأثير,تستعيد فترة ماضية مرت حتي أصبح الوضع علي ماهو عليه...
سارة ستكون موجودة,تتعرف علي الجدد وتتحدث مع القدامي,ستعيد ترتيب قصة لتكتبها عن هذا الاجتماع,بعينين من خلف نظارة طبية تلتقط التفاصيل,اسم سارة حسين الأول يذكرني باسم سارة سلامة,حديث الشباب "الرومانصي"والمكبوت,لماذا لم يرسل أحد لها دعوة للانضمام حتي الآن؟! علينا أن نفكر في ذلك جدياً.
أسماء ورحاب وفاطمة وإنجي سيتبادلوا الحديث طوال الوقت,فبينهم الكثير ليقال,سيندمجون في الكلام عنا وعن الكتابة والأدب والشعر,وعن طموحاتهن الأدبية والثقافية,وسينغمسون في في هذا العالم الجديرون به والجدير بهن.
سأشعل أنا سيجارة جديدة....
لا أضمن عمري لأقول هذا,لكني أضمن خيال اللحظة العابرة,الذي أكتب به دوماً...
وفي النهاية,كانت الرحلة بصحبتكم كلكم من ذكرته ومن لم أذكره؛لدواع ليلية تتعلق باضطراب نومي مشفوع بهجوم أحاسيس كئيبة وتخيلات ظلامية,عامرة ومشجعة علي الاستمرار والتقدم,ودفعة وتشجيع في أيام حرجة من أعمارنا وحياة الوطن,حفظ الله الوطن,وحفظ لنا جوجل,وليلهمنا القدرة علي إكمال الطريق للنهاية,ولمن يملك الوعي اللازم لإدراك أي طريق في الحياة,الرحمة حتي يستمر ولو زاحفاً علي بطنه,فالوعي عائق كبير يولد عوائق لا حصر لها.
كانت أيام حلوة اقتربنا فيها من بعضنا عن بعد,لو اجتمعتم معاً لا تغفلوا أن الصورة الذهنية عن  شئ أو شخص,وتوقعه بصورة معينة لا يتحقق في الغالب,حتي لا نصدم في خيالنا.
كانت صداقة عميقة وعظيمة,وحوارات وكتابات راقية ومهمة...(كانت)و(مازالت)....ولا زلنا معاً.


الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

بشار بن برد وربابة!




سؤال يوسف زيدان
 

لماذا قال بشّار شعراً فى خادمته رباب ؟

تنبيه : هذا السؤال ليس بسيطاً مثلما يبدو من ظاهره
.
...وحتي اليوم لا يزال الكثير من تراثنا العربي,تحت رحمة القيل والقال,والظن والتخمين,كل الأمم المتحضرة الآن لو قرأنا ما تكتبه عن تاريخها وأدبها في كتبها المعاصرة القائمة علي التجديد,والرؤية من "عين ثالثة",عين تركت الجزم بكل ما قاله الرواة,وتحررت من سطوة التاريخ ومقولة فلان وحكاية علان,وقارناه بما كتبه الأقدمون سنتصور أننا نقرأ تاريخين مختلفين لأمة واحدة!!لهذا الحد وصل التجديد والتحديث في التاريخ والشعر والأدب؛ولأننا نعيش ونقول ونفكر كما كان يفعل الأجداد من مئات السنين,سنجد كلامنا واحد,برؤية واحدة تقليدية,وسرد ماقاله هذا عن ذاك,وتتشكل رؤيتنا لتراثنا الشعري,والسياسي والتاريخي,بصورة واحدة,هي الصورة كما فهمها وعرفها من قاموا بجهد خالد مشكور,فاكتفينا نحن بهذا!!ولم نعتبر أن واجبنا سوي الترديد والنقل أو الدمج بين الجميع علي أحسن الفروض,الكتب وطريقة التفكير العربية,عبارة عن "كوكتيل"من أقوال ومذاهب وشروح الأقدمين,وربما تشجع أحدنا و"نقل"عن الغرب مايخالف تصورنا,ويقلق راحة استمتاعنا بالاطمئنان للرواة,وحينها سنعتبره بالطبع بطلاً!
الأدهي من ذلك حالتنا تلك,فلم يصل إلينا من سيرة بشار سوي نذور متفرقة,ولم يتم جمع ديوانه إلا عن طريق مجهود فردي من الشيخ محمد الطاهر بن عاشور,وديوانه هذا المجموع من مخطوطات ووثائق,فيهما الممسوح,والمفقود,والمقطوع.
فنحن أمام شخصية من الممكن قول فيها أي شئ,ونسب إليها أي كلام,فشخصية بن برد,مضطربة,متقلبة,تقول الشئ وعكسه,فهو مرة يفخر بالعرب,ومرة بقومه من الفرس,وثالثة ينسب لله وحده العظمة,ويمدح المهدي ويذمه,يكتب قصيدة هجاء لمن يظنه سيُهزم وحين ينتصر يغير فيها لتصبح مدحاً,يمدح واصل بن عطاء وتتقارب نفوسهما وأهدافها,ثم تتباعد حتي يوّد ابن عطاء قتله!
أكثر من هذا...ولا نجد من يخبرنا عن بشار,بشار الذي كان صنيعة عصره,وتشكيلة من يد زمانه,وخليط من دماء عربية وفارسية وثقافتين,جهر بواحدة وافتخر بها في فترة,ونادي بأخري وحقر من الثانية في مرحلة متقدمة من عمره,هناك نقاط أري أنه يتشابه فيها مع الموهوب العبقري نجيب سرور مهضوم الحق,المُعتم عليه بمؤامرة استمرت حتي بعد موته...وبشار أيضاً تعرض لمؤامرات من أعداؤه وقد شاركهم فيها بحدته وهجائه وعدم تقلبه بين الملل و المذاهب.
هل كل ما وصلنا عن بشار منسوب إليه هو له؟
هذا السؤال لا بد أن يعمم علي كافة الشعراء,وأول من لفت الانتباه لذلك المعري لكن بلمحة ذكية؛لإدراكه خطورة ما يقول وما يترتب عليه  من آثار قد تقلب كل التاريخ وتعيد تشكيله,ثم جاء طه حسين بنفس النداء لكن بصوت جهير وقوي وشجاع.(يُقال),أن هناك الكثير من الشعر المنسوب لبشار وضعه أعداؤه لينالوا منه عند الخليفة,ومن أمثلتهم علي ذلك:" الأرضُ مُظلمةٌ ، و النارُ مُشرقةٌ و النارُ معبودةٌ مُذ كانتِ النارُ",الخليفة المهدي قاتل بشار لأسباب عدة من بينها حلم في نفسه لا أساس له,قتل علي الشك في الزندقة,وجعل لها عامل يسمي عامل الزندقة,وبشار يري أصحابه ورفاقه يلقون في للموت بتهمة الزندقة,أكمه,خائف من العقاب والوشاة,ربما كان كراهية العرب والخليفة وعصره وزمانه نشبت في نفسه بلا فكاك,كرههم فعلاً؛ولذلك احتقرهم,فقال فيهم كلهم شعراً بمفهوم التقية والتلاعب اللفظي.
اللغة تعبير عن الأفكار,ولو فهمنا الأفكار سنفهم اللغة,المشهور في تلك المسألة والتي يتناقلها القائلون عن بشار وربابة جاريته تلك الأبيات:" ربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت

لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت
وتلك الألفاظ والمعاني غريبة علي شعر ومعاني بشار,تلك التي قالها في الهجاء العنيف,والغزل الصريح,والمدح والتفخيم,سنعتبر أن تلك الأبيات من شعر بشار,وسنضعها تحت بند التحقير,وسنترك الحكاية الشهيرة عن الجارية وبيضها ودجاجها,وسنتوجه بها للخليفة,فهو رب البيت العباسي الكبير وخليفته المهدي,ووزيره بين الرق والعود والربابة من الممكن أن تفهم كأداة موسيقية وكسحابة وكخادمة,وكتحقير وتأنيث للخليفة-والتأنيث لفظ تفخيم وتعظيم وأصالة-لم يكن قديما هناك نقاط علي الحروف,بالطبع ليس هناك عندهم تشكيل لها,قد يكون قصد أن الخليفة يدلق خلانه وأحبابه في جحيم ونار القتل والتعذيب علي الزندقة,والعشر دجاجات ربما قد أراد بها حاشية الخليفة ورجاله المقربين,وأراد نفسه بالديك حسن الصوت,فهو مادحه المتصايح بفضائله و عظمته.
وقد قال بن برد في خادمتيه ربابة,وأخري من الممكن أن تكون هي من مشت في جنازته,وغيرهم من النساء,لكن تلك الأبيات الغريبة هي ما تلفت النظر لو وضعنها أمام قصائده الأخري.
نحن كل هذا في مدار الظن والحدس والشعور؛لقلة المعلومات المتوفرة عنه,ولا نريد أن نغتر بتلك المكرورات والنقولات الواحدة عند كل مؤلف,وتناقض شخصية بشار مع تقلبات عصره الظاهرة والباطنة,صنعا من سيرته مادة خصبة للدس والتزوير,وتركا التخمين والإحساس يقودان من يبحث عن بشار في شعره وعصره.

الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

مريم

مريم
فرحة كانت بفستانها الأبيض المُشتري خصيصاً للزفاف,حين رأتها أمها ترتديه قفز خيالها بالزمن سنوات,رأتها كفتاة جميلة في يد عريسها يزفهما الأهل والأقارب في ليلة العمر,عقب كفاح طويل لتصل بابنتها لتلك الليلة,مريم طفلة في الثانية عشر,اصطحبها والداها لحفل زفاف في الكنيسة,عائلة صغيرة في ليلة سعيدة,تنتظر كل أسرة مثلها لأبنائها,التصقت بأمها طوال الليل,لم تترك يدها,وهم علي باب الكنيسة,رأت مريم لعبة في المحل المقابل,سحبت يد أمها لتنتبه لها وهي تنادي بصوت رقيق ناعس من أثر السهر:
-ماما..ماما..عايزة اللعبة دي.
انشغال أمها بالحديث مع الأقارب,دفعها للتململ فأخذت تحك الأرض بقدميها الصغيرتين وهي علي وشك الصياح,لمناداة أبيها لعله يشتري هو اللعبة,مرت سيارة ببطء أمام الجمع الواقف علي الباب,شاهدت فيها مريم زميلتها شيماء,ضحكا لبعضهما,وتبادلا إشارات التحية بالأيدي,وشيماء تلفت نظر أبيها:
-مريم صاحبتي في المدرسة.
غابت السيارة بسرعة عن عين مريم المبتسمة,وعادت لتحدق في اللعبة,ستشتريها الليلة لتضمها لما عندها من ألعاب جميلة,ستأخذ تلك العروسة الكبيرة في حضنها الليلة,وستحكي لها عما يشغل عقلها الصغير,عن المدرسة,وعن ميس نبيلة,وربما كان يشغل قلبها البرئ إعجاب بأحد الأولاد حرك مشاعرها الطفولية,وستخبرها عما فعلت تلك الليلة في الفرح,ولما تستيقظ للذهاب للمدرسة,ستضعها في السرير حتي تعود وتكمل ما بدأت,كل هذا كان سيحدث لو لم يظهر إرهابي نتاج سنوات طويلة من الجهل والفقر والفساد,ليمحو برصاصه الشيطاني الملعون,حياة كاملة من علي وجه الأرض,لا ذنب لها عنده,إلا أنها وُلدت مسيحية,وتحمل علي يدها الناعمة صليب صغير,اتخذ منها عدواً,من الممكن جداً لو لم العوامل المُشاركة في صناعة السفاح,واجهته في حياته,أن يربت علي كتفها أو أن يداعب شعرها بحنان وهو يمر أمام الكنيسة,شاعراً أنها طفلة تستحق أن تشعر بالحنان ممن هم أكبر منها سناً,لكن حظ مريم أوقعها في إرهابي يكره كل ما يخالفه,ولا يحتمل رؤية الناس يعيشون بسعادة,إما أن يكون الكل مثله أو فلتذهب الدنيا كلها للجحيم,بعد أن ضمن له شيوخه الجنة!
مريم...بأي ذنب قُتلت؟ألأنها من أب مصري وأم مصرية,وتعيش علي أرض مصر,الذي قال عنه المعلم في الفصل أنه صاحب أول حضارة,وعاشت فيه كل الأطياف بسلام متعاونين لرفعة بلدهم؟ هل أصبحت الجنسية والعيش علي أرض الوطن بدين مسيحي جريمة تستحق عليها تلك الطفلة العقاب,والعقاب ليس أقل من القتل؟!
من خلع عن مريم الصغيرة فستانها الأبيض,وأدخلها في تابوت,لا يستحق الحياة لا هو ولا من يؤيده ولا من يسكت عليه,مريم لم تكن تريد في دنياها الصغيرة الكثير,فقط العروسة اللعبة تلك الليلة,وفي الصباح تضحك مع شيماء وهما يقولان لزملائهما أنهما شاهدا بعضهما الليلة الفائتة,وتسرد عليها ما رأته في الزفاف,لم يستطع الإرهابيون الصمت عليها,كانت براءتها وطفولتها أقسي عليهم من الرصاص الذي أطلقوه عليها,لغتهم الوحيدة؛بذلك لابد من قطع لسانهم من أساسه,حتي لا ينفثون سمّه في بلدنا مصر.بلدنا التي خسرت طفلة جميلة,قد تصبح ذات يوم طبيبة حنونة تعتني بالمرضي وتخفف آلامهم,أو فنانة تسعد الجمهور,وقد تكون كاتبة ترفع اسم بلدها كمثقفة مؤثرة...مجرمون قتلة,حرمونا منها وهم يتكاثرون و يضربونا بلا رحمة كل يوم.
فقدنا اليوم نسبة من أحلامنا وجزء من مستقبلنا,ولو لم نتكاتف و نصد الهجمة المُهددة لحياتنا علي أرض وطننا الذي يصير من سيئ إلي أسوأ,فلن نجد لأنفسنا لا حلم ولا مستقبل,وستكون مريم حلقة في سلسلة طويلة ممتدة,واجبنا أن نقطع رءوس كل الحيات,و اجتثاث كل بذور وجذور الإرهاب بكل عزمنا, بلا إصغاء لأي صوت سوي صوت ضميرنا وصوت وطنيتنا.
حبيبتنا مريم....سلامٌ عليك يا صغيرة,وتشفعي ليرحمنا الله مما وجدنا أنفسنا فيه.. والـ13 طلقة يا شهيدة,سنطلقهم علي كل مصائبنا ونكائبنا المؤسية المدمرة,وسنذق منهم كل أعداء الوطن وخائنيه,ارتاحي أنت في مكانك,وبأسماء شهدائنا وأبنائنا سنكمل الكفاح,ومن قلبك الصغير سنستمد الأمل,علي الرغم من كل شئ.

الأحد، 20 أكتوبر، 2013

أفكار ليلية


أفكار ليلية


كيف تمكنت تلك الحشرات البشرية من غزو رأسي؟!وشغلتني ليال عدة أرقني فيها فلان وعلانة؟!..ألهذا الحد يضيع العمر في التفاهات؟!أللنفس كل تلك القدرة علي خداع نفسها؟!!
دخلت الشركة اليوم بعد غياب طويل,إجازة بدون مرتب لو لم آخذها,لكنت انهرت علي قدم المدير تقبيلاً ليسمح لي بها,أو كنت جلبت السكين من مطبخي الصغير المدربك,وانهلت علي  فروةشعره الغزير الفرح به,وغرزت حتي المخ,أعصابي لم تعد تحتمل,لابد لي من إجازة.شهر قضيته في الرسم والتأمل,موهبتي القديمة التي لم أوليها أي اهتمام,ومع ذلك ماتزال تنقح علي بقسوة,مطالبة إياي برسم الموظفات مع التركيز علي منابت الأثداء,واستدارة المؤخرات...ثلاثين سنة وبلا زواج,حتي هذه السن مازلت أمارس العادة السرية!!لو كان هناك شاب غربي وأخبره عني أحدهم ذلك,لكان بصق علي ومضي,لكن في بلد الحرمان,لا تتعجب,هناك من هم في الخمسين ولم يلمسوا امرأة,لم يتحسس جلد ناعم,لم يلتصق بمؤخرة ولا داعب ثدي,أنا الموظف في إدارة الحسابات عماد ماهر,مؤمن بشيئن,أنني في زمرة من عاداهم الزمان وحطمتهم الظروف وقتلتهم بدلهم,مصر,آكلة أرواح الرجال,وقلوب النساء,مدمرة أحلام الشباب,أكرهها لأنها تكرهني من قلبها,وتتمني الخلاص مني,أكرهها لأنها رمتني ولم تنصفني,ولا أنصفت أبي ولا جدي,كلنا موظفون,كلنا أكلنا من ذات طبق الخراء الواحد,كلنا في الوساخة إخوة,وأن خلاص الرجل في المرأة.
أجل.لم أعد هذا القلق علي الغد المنتظر منه شئاً,ولا أنا الرجل الذي يطمع في سمعة حسنة فيساير الشائع,أنا عرفت أي بالوعة أعيش فيها مع الحشرات,وأنا أيضاً حشرة,ميزتي الوحيدة أني أعرف أني حشرة,حشرة صغيرة في بالوعة ضخمة ممتلئة بمختلف أنواع وأحجام الحشرات,كلهم يهاجمون بعضهم,وينكحون بعضهم,النكاح في كل مكان في البالوعة لكنه مخفٍ,كل ما هو مخف في هذا البلد هو أكثر ما يفعله ناسه,قبل رجوعي للمنزل تلك الليلة,حودت علي كشك"أولاد الحوفي"...ياله من اسم,كأسماء الشركات والمحال الكبيرة,وهوفي الأساس خشبتين علي الجانبين,وفي الخلف حائط جامع و في الواجهة كراتين شيبسي,حكي لي الواد رضا عن سيد الشيال,وهو يفتح خرطوشة جديدة مغلقة:"سيد ابن الوسخة الكافر,زانق واد صغير في دورة المية بتاعة الجامع وكاتم نفسه,وعمال يهدده يا إما(.......)يا إما يموته!لولا الحاج عوض كان داخل يفك حصرته سمع عياط الوله,وهو لا مؤاخذة بيقلعه اللباس".
لم أندهش ولا علقت علي شئ,لم يعد هناك في تلك الدنيا ما يدهشني ولا ما يثير فضولي,أنا فقط أحاول كتم أنفي قليلاً حتي لا تتسرب إليها رائحة العفن,العفن بين ملابسي وجلدي,العفن يحاول فتح فمي للسكن فيّ,وسينجح,لا أحد يقاوم العفن.مهما قاوم سيغتصبه,لا أعلم كيف استطاع أولاد الواني هناك أن يتسللوا لخلايا مخي ويسيطرون عليها,مدام سهيلة,آنسة مها,الأستاذ أحمد,عم عبده بتاع البوفيه.........كل من كنت أهتم بهم في فترة سابقة مضت,وعلي رأسهم فوزي بيه ابن.....كنت أعتبرهم محورحياتي وأدورأنا في فلكهم,ربما كان عقاباً من الله هذا الاعتقاد فلا أحد يعرف هؤلاء الملاعين مثلي,مجموعة من الجهلة فاقدي الأهلية لأي شئ,يحملون ألقاباً ويتقلدون وظائف,والقرد المسلسل أكفأ منهم ألف مرة,وأنا الرسام العظيم,القارئ النهم,من بدأ حياته بتزكية وتشجيع من كبار رسامي عصره,عبد الهادي الجزار وعصمت داوستاشي,علي سبيل المثال كانا يعجبان بأعمالي,أعمالي التي تحولت,لوظيفة يرأسني فيها فوزي بيه,فوزي باشا,فوزي المتزوج من شئ في غاية القبح,لأن والدها زوجها إياه وفاء لدين؛لذلك تجده عصبياً لاعناً أباي وأمي لأي خطأ,كارهاً نفسه,وربما لعن الخالق في علاه بسبب تلك الورطة,وفي الشركة نكتة أن زوجته هي من تركبه,وهو من يطلق الآهات والصرخات بوجع,تزامله في المكتب مدام سهيلة,أكبر ناقدة عرفتها البشرية,لو رأتني أتمخط في منديلي لصرخت بلا مقدمات"إيه ده يا عماد!!إخي علي كده..يا ساتر",أنا مجرد موظف فاشل وفنان مقتول.
في الليل كما الآن أتخيل لهم رسومات لا أرسمها إلا في خيالي,ففوزي كحمار يمشي في الغيط ووراءه الفلاح السمين يحاول ركوبه,وسهيلة مرضعة بخمسين حلمة,وخالد وهو المتعنطز النزهي,قرص من الجلة في يد امرأة حبشية تضعه علي الأرض فتبول عليه البقرة,في الليل وقبل أن أنام كما تلك اللحظة,والنوم يهزمني واستسلم له بهدوء,أدعو الله في علاه:"يارب أنا راضي بقسمتك,قسمت الأرزاق والنصيب,بس قول لنفسي وحياة حبيبك النبي تسيبها من اللي كان واللي في الغيب,خليها تحمدك وترضي,وبطّل شيطاني يسب لي,يارب والنبي"