السبت، 31 أغسطس، 2013

ليلة أخري

ليلة أخري أضطر لقضائها علي كوكبكم البائس,أتصارع معكم علي مطمع رخيص,وأقف في طابور الحب شحاذاً,فلا يمنّ علي أحد,الحزن يملأ كل شئ,ليس لنا سواه يا حزاني.
من العدم للعدم.فلو كنا أصحاب مشاعر ووعي لابد أن نحزن,ونمزق قلوبنا حزناً علي وجودنا البائس في الحياة,والحياة سلسلة أدوار,عندنا في مصر يُقال"بالدور"يعني أن كل واحد سيمر علي ما ينتظره,فأنت تأخذ دورك في الحياة كما تأخذه في لعبة الملاهي,وحين ينتهي دورك,ستتركها وتذهب إلي حيث لا يعلم أحد,تحت التراب مكانك,في مكان مظلم ومخيف,وحدك بلا أي رفيق,كل من عرفتهم في الدنيا...كلهم,كلهم سيتركونك ويرجعون,ثم يرجعون إليك بعد أن ينتهي دورهم.
احزن لأن الحزن ليس اختياراً,فكر,وفكر كثيراً,ثم فكر كثيراً جداً...تأمل الزمن,انظر للطبائع والنفوس,شاهد الحركة,اشعر بالفناء,ولو كان قلبك لا يزال يعمل,احزن...احزن بأقصي ما استطعت؛لأن ذلك هو كل ما تملكه!

الجمعة، 30 أغسطس، 2013

عصام حجي وأنا



عصام حجي وأنا

أرسلت أمس مقالة جديدة لليوم السابع علي هيئة رسالة للدكتور,الدكتور بجد عصام حجي,أتمني أن تنشر وأن يطلع عليها,فبعد تعيينه كمستشار علمي للرئيس,أعتبره الآن أهم رجل في مصر,هو ليس رجل المريخ الآن بل رجل مصر.
صدمني بصاعقة,علمه واجتهاده ومكانته في هذ السن الصغير,قمة التناقض بيني كمصري,لم يتعلم شيئاً,بل "تحيون",وبين مصري آخر أتاحت له الدنيا فرصة السفر والتعلم,رغم كل ما عاناه في حياته في مصر.
عالم مصري شاب متفوق,وشاب مصري يحارب حتي يستطيع أن يحيا كإنسان...إيييييييييييييييييييه دوووووووونيااااا.

الخميس، 29 أغسطس، 2013

النوم والأرق




النوم والأرق

لا أنام لأحلم.بل لأهرب من الواقع العبثي العجيب المحيط بي من كل جانب؛لأتمكن من تسميم الأيام,والضحك علي الزمن,من يضحك علي الزمن!!

وأصاب بالأرق,حتي أتأمل في هدوء,كيف كنت,وكيف أصبحت.الأرق مرض الحزاني,يلعنهم به الحزن ليستمتع به أطول وقت ممكن.
هل هما متناقضان؟!أم يكملان بعضهما في حالات الاكتئاب؟!

الأربعاء، 28 أغسطس، 2013

عودة شهيد مجموعة قصصية محمود قدري

عودة شهيد
مجموعة قصصية
محمود قدري

نصف روح معطوبة
-       كل الأرواح تبحث عن ملجأ يا صديقي,فلا تظن نفسك أنك الوحيد العاري الخائف من الدنيا,ليس قلبك فقط هو من يعاني,لو أطلعت علي قلب أي حي علي الأرض لوجدته.....لوجدته.....أنا لا أعرف لكننا كلنا نعاني,أنا لست مثلك أقرأ في الكتب,وأبحث في الموضوعات.لا أعرف كيف أقول ما أفكر فيه,لكني كل ليلة لابد أن أبكي حتي تتبلل مخدتي,أبللها وأشعر ببللها,ذلك البلل يرطب قلبي المشتعل,لا تقلق يا صاحبي...ودعها لمن خلقها.
لم يستمع صاحبه لنصف ما قاله,هز رأسه موافقاً,ثم تراجع في كرسيه ليسند ظهره رأسه علي الحائط,أشعل سيجارة,ونظر في عينيه,أطال النظر,تأمل في العينين اللتين تتدعيان البكاء الليلي,كانت الدموع تكاد تنزلق علي خديه.
قام من مكانه ودخل حمام المقهي,ثم عاد وأطفأ السيجارة في المطفأة.
-في الستين يشعر الواحد منا باقتراب نهايته,يدنو أجلي وأنا لا أفهم ماذا حدث وإلي أين سأذهب,أنا مسلم وأنت مسيحي,هل سنتقابل في الآخرة,وصاحبنا الملحد الذي غادر اليوم مبكراً هل سنجده هناك,أم أن الأمر كما يقول أننا نموت لنفني ويأتي غيرنا,تلك هي حياة الإنسان,مكان فارغ فوق الأرض يحتله إلي حين البني آدم,ليذهب بعدها لمكان فارغ تحت الأرض....كنت دوماً قلق,لم أعش حياتي أبداً,دفنتها في الكتب والأوراق,وبعد كل تلك السنوات,لم أفهم الكتب ولم أستمتع بالحياة,ربما أعود مرة أخري للدنيا في جسد جديد,أو عند الله سأجد النعيم الذي أبغاه.
قال صاحبه مازحاً:
-نعيم الله لك ونعيم يسوع لي والقبر المظلم لابن الداعرة الملحد
لم يتمالكا نفسهما من الضحك,بينما كانا يفكران,ماذا لو كان الملحد علي حق؟!
في الطريق وحين كانت السيارة تسير ببطء,وهما يتأملان المارة,هؤلاء اللاهثون في الدنيا,اللاعبون في مارثوان قطع الأنفاس اليومي,تعرف واحد منها علي امرأة  كهلة كانت يوماً فتاة جميلة,رآها في سيارة تسير بجواره كأنها تريد أن تصافح سيارتهما,كانت تجلس في المقعد الخلفي تداعب شعر شابة صغيرة,تأكد أنها ابنتها من الشبه العجيب بينهما,استدار بجسمه كله لصديقه"عندكم حور عين في جنتكم,لكن هل تعوض حب امرأة كان في الدنيا,حب حقيقي اشتعل له قلبانا وظننا أن يوم الفراق هو يوم الممات,هل تستطيع سبعين من الحور العين أن تنسيك أول دقة حب شعرت بها في قلبك,وأول دفقة مني تسربت من عضوك لفرج محبوبتك,وأنتما ملتحمان كجسد واحد,وشعرها الحريري ينساب علي وجهها المعروق,مغطياً نصف وجهها,لكنك تلمح في عيناها شبه المغمضتين,من اللذة,ذاتك أنت أن تكون ساكناً في عينيها,وهي تتلوي تحتك طالبة المزيد,متمنية أن لا تخرج منها للأبد,أن تحتفظ بك داخلها طوال حياتها,وأنت تغرقها من سوائل اللذة,هل هناك في الدنيا والآخرة,تعويضاً عن الحب,الحب....أجل,الحب,ربما لذلك نفكر في ما بعد الموت,ونحاول فهم الحياة,لأن الحب تلاشي من نفوسنا فأصبحنا فارغين,نريد أن نمتلئ حتي لو كانت الآلام والأحزان هي البديل.
التفت يمينه مرة أخري,وجد الحياة تسير,وضيوفنا من أهل العرب والطرب,ينعمون بالشراب من الزجاجات ومن نهود الصغيرات,في سيارة لم ير مثلها من قبل...في فيلم أمريكي ربما.
افترقا حين نزل بطرس لمنزله,وأكمل علي وحده الطريق.
تعرف ثلاثتهم علي بعض في عام النكسة,خطاهم المتعثر قادهم لمقهي لواحد,علي كان يجلس في الركن القصي يبكي بحرقة بجوار القهوجي,وبطرس ساهماً عند المدخل يتأمل الرائح والغادي,وسالم يدخن نارجيلة عملها لنفسه,ينفث دخانه ويتأمله وهو يخرج من فمه ليندثر...كان ذلك منظرهم لمن يمر عليهم,لكن لا أحد يهتم بثلاثة شباب حين بدأت حياتهم,كانت الهزيمة تنتظرهم,ولم يستشرف أحد أن جيل الهزيمة,ستظل الهزيمة عنوانه ولو انتصر بعد ذلك,لأن الانتصار سيكون بطعم الهزيمة,ولن يسمح لنفسه بالتمادي أكثر من ذلك,سيعقد الصلح ويتعاهد بالسلام الخائف,والأمان المرتعب.
سيتم تعريفهم فيما بعد باسم "جيل النكسة",الجيل الذي فقد نفسه,وكانت هزيمته (نكسة),فلم يتخطاها أبداً,لأنه لم يريد أن يعترف بها.كان سالم أجرأ الثلاثة,وسيصدمهم بإلحاده العصي علي أي كلام,هو لا يؤمن إلا بنفسه,إلهه نفسه,اقترب من بطرس أولاً وجلس إلي جواره,ثم نادي علي علي,وطلب منه الجلوس معهم,كان علي لا تزال ملابسه مبتلة بالدموع,وبطرس لا يعي ما حوله,فقط كان صوت المذيع أحمد سعيد يطن في أذنه بأكاذيبه التي آمن بها,وبكلماته التي كانت واقعاً يعيش فيه,بدأ سالم الحديث:"اليهود في توراتهم هزم جدهم الله وانتزع منه النبوة,والمسلمون ينتظروا آخر الزمان حين ينطق الحجر والشجر ليقتلوا أعدائهم"قاطعه بطرس بهمس أقرب إلي الهمهمة,"أنا مسيحي",استمر سالم يقول وهو يمسح زجاج نظارته بمنديل أخرجه من جيبه,"انهزمنا لأننا عشنا أوهام النصر وأمجاد القوة,قد لا تصدقاني,لكنني كنت أتوقع ذلك,بلد بلا حرية كانت ستنهزم في أقرب فرصة,ولو لم تجد من يهزمها ستهزم نفسها بنفسها"تحدث كثيراً لدرجة أن النقاش بينهم اشتعل لساعات وتواعدوا علي اللقاء غداً,دون أن يعرفوا أسماء بعضهم,اكتشفوا أنهم كانوا يحتاجون بعضهم,عرفوا أنهم سيصيروا أصدقاء إذا استمرت بهم الحياة,التفكير في الغد كان أمر لا يقوي عليه سوي الشجعان,الذين ينتظرونه ليواجهون يوماً آخر من المصيبة,الجيش انسحب,وعبد الناصر يريد أن يتنحي,واليهود في سيناء,والشعب مكسور مرارة الهزيمة انسته أي طعم آخر في الدنيا,لا يوجد سوي جرح عميق وواسع وسع الوطن المهزوم.
هزيمة 67صنعت جيل,والجيل صنع هزائم,والهزائم جعلت من البلد ما هي عليه الآن,وطن يبحث عن أبناءه وأبناء يبحثون عن وطنهم,والكل تائه في زحام الانفتاح.
اشتري علي السيارة التي يقودها الآن,من مال زوجته,ظلت تلح عليه أن يشتري ليرحمها هي وابنتها من الزحام وفظائعه,باعت مصاغها لتسدد ثمن"لادا"صغيرة,وأصر علي أن يكتبها باسمها,فكان يعتبر تلك السيارة عهدة يحافظ عليها مما جعلها عبء مضاف إلي أعباؤه.هل كان يحب فاطمة يوم تزوج منها؟هل يغير منها اليوم لتفوقها الفكري عليه وشهرتها التي أصبحت تتداول اليوم علي صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون؟أيام كان يكتب مذكراته,متخيلاً أنه يكتب شهادته علي زمنه قبل أن يكتشف,أن ما شاهده لا يمكن اعتباره إلا مشاهدة من بعيد فتوقف عن تدوين مذكراته:"بفستان عاري الكتفين,وشعر يسيح علي كتفيها رأيتها أول مرة,كان صالون ثقافي يقام كل شهر,أذكر أنه كان موضوع الشهر عن قصيدة النثر في عالم الحداثة الشعرية,كان الكلام مملاً ويكاد أن يكون معاداً ألف مرة من قبل,كان الناقد الكبير جابر معروف,هو من يتحدث,وكلما ذكر أمل دنقل-كان يذكره فقط ليعرفنا أنه كان صديقه-تحسس كرشه,وتدمع عيناه,ومن الأسئلة التي أبحث له عن إجابة حتي الآن,علاقة الكرش بالمشاعر الحزينة,وهل يحتوي كرش الإنسان علي ما يثيره جنسياً أيضاً,الكرش له آثار جنسية ضارة,فلو كنت صاحب كرش ضخم ستعاني في الإيلاج,كيف تولج بينما أمامك حاجز قد يسد المولج فيه...دعابة,دعابة!!!أحب أن أكون خفيف الظل حتي لو كانوا يقولوا عليّ عكس ذلك.
في منتصف الحديث,ومعروف يشرح ما لا يفهمه هو,كنت قمت واتجهت للباب للخروج,صمتت القاعة كلها,وسدد لي معروف نظرة نارية,شاهدتها من بين دخان سيجارته,شعرت أني أحرجته,وندمت علي قلة ذوقي,لكن لن أجلس ثانية واحدة هنا استمع  للهراء الذي يقوله هؤلاء الناس,لقد شرح نجيب سرور الشعر في كلمات بسيطة وكان السلام ختام:"الشعر مش بس شعر لو كان مقفي وصحيح.الشعر لو هز قلبي وقلبك شعر بصحيح".
تجاهلت الكل واتجهت لباب الخروج...خرجت لفاطمة,كما خرج موسي من أرض مصر,خرجت أنا"علي بن ضياء حفيد حنفي"من حياتي السابقة لأولد من جديد في عيني فاطمة,آه لو لم أخرج,آه لو لم أرها,"وآه لو قابلتك من زمان كانت حياتي اتغيرت ولا كان جري كل اللي كان لكن دي قسمة اتغيرت",كما تغني وردة.وهي تصعد السلم عجيب التكوين,تعثرت ووقعت,أنا أعاني مع هذا السلم,يبدو أن أصحاب القصور الملكية كانوا يحملون ولا يصعدون علي أقدامهم,كيف لباشا بكرش! يرتدي طربوشه ويحمل عصاه الأنيقة,أن يصعد سلم دائري الشكل,درجاته "مزفلطة"ومتباعدة عن بعضها,المهم أن هذا السلم له الفضل في زواجي من "طمطم".
"أنتي بخير يا آنسة؟!"
جاء صوتها مكسوراً من صدمة وقوعها أمامي وإحراجها من ساقيها العاريتان,أخبرتها فيما بعد أني أول ما أحببت منها ملابسها الداخلية,المرأة لو كان لباسها الداخلي الذي لا تطلع عليه العيون-عادة-أنيقاً ونظيفاً,فاتبعها حتي آخر خطوة في الطريق,وفاطمة كانت تحمل في يدها رواية الطريق لنجيب محفوظ,إما أنها مثقفة,أو تحاول أن تكون مثقفة,وإما تريد أن تبدو مثقفة,الأكيد أنها حين نظرت إلي ونظرت لوجهها وهمست:
"رجليا..مش قادرة,آه"
كان قلبي يدق دقة لم يدقها من قبل,شعرت أن المتاهة في نهايتها,وأن تلك هي الملهمة التي كنت أبحث  عنها طوال حياتي التي لم أنل فيها سوي الكمد والمزيد من الكمد,حتي وطنت نفسي علي الموت مبكراً,ووصيت سالم علي سبيل المداعبة,ألا يحضر جنازتي,هذا الملحد الذي سيجعل غضب الله يحل علي قبري لو وقف أمامه,وطلبت من بطرس أن لا يترك أمي وحدها طوال الطريق من المنزل إلي المدافن,ولدت في عينيها كما قلت,ومنحتني حياة إضافية,كنت أخاف أن يظهر أحد ويتجه نحونا,ويفرض نفسه علي المشهد الذي كنت بطله أمامها,فاستأذنت منها أن تستند علي "براحتها",فهناك صيدلية قريبة,سنتجه إليها للعلاج,كنت أعرف أن الأمر بسيط,لكن دلع المرأة سحرها..."
خيباتنا تلتهمنا حين نكون وحدنا,ولجرجس قلب لا يحتمل خيبة الأمل؛لذلك يفكر في الانتحار أو في الأسوأ..أن يتزوج من تؤنس وحدته,كانت الوحدة من قبل رفيقته وحبيبته,سوياً يصنعان الأحلام,معاً يهبان لكل مكان ويقابلان كل شخص.عشاء فاخر في قصره المطل علي البحر,مع مارلين مونرو,يستحمان سوياً,ثم......آه ما أكثر ما فعل في مارلين وجسد مارلين.
نجاح باهر-لا يعرف في أي شئ بالتحديد-يجعل الجميع يحقد عليه,لكنه كرجل ناجح وقوي لا يستسلم لتلك الأحقاد,أموال ليس لها نهاية,تتدفق عليه من كل اتجاه,وفي كل وقت.كانت لبطرس أحلام تشبه أحلامك,وآمن ببعضها وعمل لتحقيقه,قبل أن تتركه جينا,كخرقة مبللة بمياه المجاري لا يقترب منها أحد من قرفه منها.
لو سألته:ماذا حدث؟لن يجد ما يجيبك به,سيتمتم باقتضاب ساهم:"الدنيا",ثم يستعيد عينا جينا وهي تتابعه من الشباك,راسمة علامة صليب ليحرسه يسوع,تلك أبرز لمحة في علاقاتهما؛لأنه لم يفهم أبداً كيف تعطيه جسدها يعبث به كما يشاء,وهي بكل هذا التدين,"أليس الزنا حرام يا جينا؟"تساءل."الحرمان من الحب حرام أكثر",فهم تلك العبارة حين فقد الحب,ففقد حياته وإيمانه,وقلبه الذي أكسبه فقدانه طبع جعل معظم من يعرفونه ينفرون منه,قلة فقط كانت تعرفه جيداً,فكانت تعذره في غلظته,لو كنت فقدت حبيبتك بدون أن تعرف كيف,ولا تجد سبباً واضحاً,فأنت أيضاً ستعذره....حتي رآها في سيارة مجاورة وهو عائد للمنزل مع علي,فهاج عليه الذكري,والذكري حين تهيج لا تهدأ,ولأشياء عدو تحدث بلا سبب,في الصباح وجده رمزي خادمه وتوأم عمره منذ كانا طفلين,بطرس ابن كامل بيه,ورمزي ابن دميانة الشغالة.وجده رمزي راقداً بجنبه علي الأرض,يحدق في الفراغ,وعلي شفتيه شبح ابتسامة.
دفنه معارفه القلائل...كأنه لم يوجد,نزل في تابوته تحت الأرض,كأنه لم يكن,اختفي عن العيون.الموت يعيدنا لحقيقتنا الوحيدة,أننا لاشئ.لاشئ البتة.
*
كأنه كان ينافسه في شئ لا يعرف ماهيته..شعر سالم بالراحة لموت بطرس,لم يبح بالطبع بتلك الراحة لمخلوق,لكنه في داخله كأنه تخلص من عبء,في الكنيسة كان يرنو لتمثال المسيح مصلوباً,يتأمله وعلي رأسه تاج الشوك فوق جبينه,وذراعاه ممدودتان علي صليبه,علق بصره علي ملامحه,كان المسيح هادئاً مرتاحاً وهو في أشد لحظات عمره,ورغم الألم الظاهري,كانت السكينة تسكن وجهه,:"في ذروة ألمه تخلص من الألم بالألم,عجيب أمر ابن الانسان في كل زمان,يظن ساعات أنه فاهم ومكشوفة له كل الطرق,بصيرته نورها ساطع كاشف للمستقبل,وهو في الحقيقة مضحوك عليه,أوهامه هي الحقيقة الوحيدة في الدنيا,وليته يصدقها فيرتاح,يريد دوماً تغييرها وتبديلها...."
أخرجه من عالمه الداخلي صوت نشيج علي المرتفع,لا يمكن تصديق أن بطرس يموت هكذا,دون أن يخبره أنه سيرحل,دون أن يودعه,يجلسان سوياً يدخنان ويستمعا لأم كلثوم وأديث بياف,ويتحدثان عن السياسة وأخبارها وهما يتحسرا علي حال العرب,لا يمكن أن يرحل دون أن يأخذ منه ميعاد آخر,في أي مكان,المهم أن يتقابلا مرة أخري"كيف سأصل إليه في العالم الآخر؟...كيف؟!"
لم يترك بطرس شيئاً ذا قيمة,لكنه أخذ معه نصف روح علي,وتركه يعيش بالنصف الآخر المعطوب.
ندوة الكابتن "تناكة"
هذا الرجل لا يمكن أن يتقبل الحقيقة القاسية:أن كل شئ إلي العدم وأنه إلي فناء يمضي.
منظره من بعيد يذكرك بالجاهليين في السينما المصرية,ليست الملابس ولا طريقة الكلام,رؤيته لنفسه علي أنه السيد وتابعه عبد,اخفض رأسك رأسك يا أخي فقد هلّ عصر الاستعباد.كان عبد الناصر محظوظاً بوفاته المبكرة,حتي لا يري المذيع الرياضي الكابتن حسين شبانة,والشهير بالكابتن تناكة وسط فرسان اللعبة وروحها الرياضية!الحقيقة أنه ليس كابتن ولا يحزنون,فهو لم يلعب سوي مباراة في حارتهم القديمة,وقد طرده رفاقه بسبب كمية"الكباري"القياسية التي تلقتها قدميه المقوسة قليلاً,لم ير عبد الناصر حسين ابن زكية,وسط العاملين معه,وإلا كان علمه الأدب بعد أن علم عليه.
في مصر لا تعليم,في مصر مبان تحما لافتات أن تلك مدرسة,وهذه جامعة,وحكومة رجال الأعمال لابد أن تساند الدولة ورئيسها في جريمة قتل العقول,فأنشأوا الجامعات الخاصة,التي تستضيف واحدة منها اليوم الكابتن حسين شبانة,والمعروف في حارتهم القديمة باسم"الكيلوت".
ليس لأنه مسيحي ينعزل مايكل دوماً عن الجميع,كالكثير من المسيحيين في مصر,لأنه يحب العزلة ينعزل,أحياناً يري نفسه مصلوباً بجوار المسيح في محاضرة "الثيرمو ديناميك" في كلية الهندسة,أو يتخيل نفسه في حضن العذارء خلال محاضرة "الفلويد",ومرة شاهد نفسه بجوار نابليون ,وهو يهاجم أسوار عكا,وشعر بالرجفة وهو فوق "هيلين"حبيبة باريس علي سرير حريري داخل طراودة,ونبح صوته ذات مرة وهو يهتف أثناء خطاب تأميم القناة,وشعر بملوحة الدموع وهو يبكي عند النكسة,.كان في مكان عدا الموجود فيه جسده,وعاصر كل زمان,إلا الزمن الذي عاش فيه.
حارب مع القائد حنا في الفيوم ضد عمرو بن العاص,دافع عنه بجسده,لازمه كظله أثناء المعارك,ضرب جيوش العرب بكل عزيمته,قبل أن ينغرز فيه سهماً انطلق باتجاها,كانت لسعة سيجارة انتهي عمرها بين أصابعه تخرجه من وسط الدماء,سحقها تحت حذاءه,ونظر أمامه بتلقائية,فوجد تناكة وتابعه.
بجسده كان أمام آخر مبني في أرض الجامعة,وهولا يذكر متي أو كيف جاء,تقع كلية الإعلام في ذلك المبني الذي يضم عدة كليات ,لم يكن مايكل يحتاج ذكاؤه ليعرف إلي أين سيذهب المذيع الرياضي,ربما كانت (ندوة!!).
نظارته الشمسية والتفاف البنات حوله,لم يحجبا ملامحه عن عيني مايكل,كان وجهه معروفا,لتناكة برنامج مسائي...بالأحري جلسة مسائية في القمرة علي مصطبة فضائية,يطلق فيها الشائعات ويهاجم الإعلاميين والرياضيين"الوحشين اللي بيكرهوا البلد وعايزين مصر تخرب...واهي خربت اهيه خلاص,ارتاحتوا!!!"
النظافة في مؤسسات رجال الأعمال,واجهة ضرورية لا غني عنها,كتعويض عن القذارة المختبئة التي يشعر بها الجميع,وتثير غثيان الداخل لأول مرة,انعكاس صورة تناكة كان واضحاً علي درجات السلم الرخام.الغريب أن صورة من كان خلفه لم تكن لها وجود علي الأرضية اللامعة,كمصاصي الدماء لا يظهرون أبداً في المرآة,وإن كان يبدو هو مصوص الدم,علي يد أمثال تناكة.
استتد مايكل بمرفقه علي سور السلم المؤدي إلي باب الكلية,وأشعل سيجارة أخري حرق دخانها المنبعث عينيه,بينما يتأمل تناكة ووجه تابعه.
من أجل هذ الاشتراكية لن تموت,واليسار لن ينقرض,هكذا فكر,أمام تلك اللوحة التي رسمها الزمان,وحكم القوي علي الضعيف,الزمن الذي جعل من "الكيلوت"مذيع رياضي شهير,يتابعه"عشاق الساحرة المستديرة في كل مكان".
تناكة يشرب القهوة ماشياً.
يسقط ظلهما علي أسفلت الجامعة,الذي رسم عليه عدة رسومات من طلبة الفنون الجميلة,وقفا أمام رسمة لشاب وفتاة مدهوشين من شئ لا يراه سواهما,خلفه كان تابعه يحمل صينية عليها فنجان قهوة ةعلبة سجائروولاعة,سار ثم وقف,ليشعل سيجارة من ويرتشف, من الفنجان.بينما كان عميد الكلية يتهيأ لا ستقبال الكابتن,ويحضر موظفوه وصلات النفاق وابتسامات الخواء,كان مايكل يجري ناحية تناكة كالصاروخ,ممثلاً أنه يجري علي صديق له,فيصدم تناكة عامداً,لتقع القهوة علي بذلته الأنيقة....ويجري حتي يعبر من بوابة(الجامعة!)
في الإنتظار كل شئ يموت
جلست أنتظر أن يحدث شيئاً.لا شئ علي الإطلاق,ما أنتظره لا يأتي,وربما ليس له وجود من الأساس,لكنه يراودني في صحوي,بينما منامي السواد,في الانتظار تصبح الدنيا لحظة,لحظة واحدة هي كل ما تحتاجه للبهجة.الفرح هو بحثنا الدائم والأبدي,الفرح فريستنا التي نتوحش في اجتلابها.
ليس هناك غير الانتظار لنفعله,اتصلت بشيرين علي الموبايل,كان مغلقاً,دخلت علي موقع الفيس بوك وجدتها كتبت:"مضايقة اوي قفلت الموبايل وباب الاوضة ومش عايزة اكلم حد"تركت لها تعليقاً"طب انتي فاتحة الفيس ليه...تعالي لي انبوكس عشان عايزك (:"
في الانبوكس يصبح القلب مفتوحاً,عكس كل شئ,فنحن لا نخاف من الشاشات والأزرار لكن البشر مرعبون بالفعل,وخاصة لبنت حساسة مثل شيرين,ليست حساسية ورقة مفتعلة,بل مشاعر فياضة تجاه كل شئ,ليست"أوفر" لكنها صادقة.فكان صمتها وجمود ملامحها غلاف ليغطي كل ما يعتمل في روحها من آلام تجاه كل ماتراه.
"مالك يابنتي
حاسة اني عايزة اموت
محدش عايز يموت بيقعد عالفيس(:
انت مش حاسس بيا بجد..انا تعبت
طب افتحي الموبايل
لا انا هاخش انام..سلام"
معتاد أنا علي تقلباتها الغريبة,فلم أغضب من ابتعادها,فمن مثلها يعاني ضعف أي أحد آخر.طفل شحاذ كان يلتهم بقية طبق تركه شخص علي الكورنيش,كان كفيلاً بانفجار نحيبها لساعتين,ولم تهدأ سوي بعد أن خارت قواها,أنا تعودت علي مثل تلك الأشياء,فرؤيتي للموت داخل غرف العمليات جعل مني متجردمن كل المشاعر..كنت يوماً مثلها.
جربت أن أعود لقراءة نيتشه,هذا الرجل الذي قتل الله في أذهان أتباعه والمؤمنين به,كان يدوخني من قبل,اليوم يبدو لي الكلام طبيعي جداً منذ أن فقدت إيماني,بكل شئ عدا الموت,الموت هو الحقيقة الوحيدة في الحياة.
جلست في الشرفة أنظر للشارع,كل شئ ليس به حياة,البشر تحولوا لأرجل تركض وعيون تنغرز,و أياد تخطف,ليس هناك (إنسان) وبالطبع ليس هناك سوبر مان نيتشه,كل رأيته,أجساد فارغة وعقول ممسوحة.
أنا أيضاً أغلقت الهاتف ودخلت لأنام.
حكايته مع ميرفت
أمام بوابة جامعة القاهرة,كان فريق من الفنيين العاملين في السينما يستعدون لتصوير مشهد,حين كان الطالب عزمي عبد النبي,القادم من سوهاج,واقفاً لا يتزعزع رغم صيحات المخرج الآمرة,ودفعات العاملين المتوالية ليرحل من اللوكيشن,"أنا واقف بعيد خالص مش هاطلع في الكاميرا"يقولها وينظر ببلاهة للعدسة,انتهت المشادات التي كادت تطور للعراك,إلي رجوع عزمي عدة خطوات,هذا أقصي ما يمكنه عمله...تأكد من قدوم ميرفت أمين اليوم.
ما عدا ذهابه لشراء ساندويتش فول لم يتحرك عزمي طوال أربع ساعات,منتظراً فتاة أحلامه.
حضر محمود ياسين في البداية,فلم يعره اهتماماً كبيراً,فقط تأكد من طوله,فقد كان يظنه أطول من ذلك,عند سماعه صوت ميرفت,اهتز كيانه ومضي دهراً,قبل أن يلتفت لها متأملاً,إياها انحناءاتها,صدرها,مؤخرتها,ووجهها,لم يفوت عزمي وجهها أبداً,كان حلمه أن يقبل هاتين الشفتين,كلما حاول أن يقترب منها,وجد رجلاً أسود ضخم,يحمل عصا,مظهراً عضلتي ذراعه,ينظر إليه في توحش,فيعود.
في الليل,عضو عزمي كاد أن ينقطع.
أصبح عزمي ٍأستاذاً بالجامعة,جاء دوره هو الآخر في لعبة الحياة,ليست للعبة قواعد,وظل يحكي(حكايته مع ميرفت)وكلامه معها,وضحكاتها التي استطاع أن ينتزعها بخفة دمه في جو العمل المرهق,وغيرة محمود ياسين منه,وتسببه في طرده من اللوكيشن,بعد أن هدد بترك الفيلم إن لم يرحل هذا"الشاب الحليوة اللي بتضحك معاه ميرفت",لو ارتدي عزمي الجلباب الذي كان يرتديه عمر الجيزاوي,لأصبح شبيهاً به.
في أيام نحسنا,ووجوهنا تتلقي صفعات الزمن,وقلوبنا تتلقي هزائمه وفي كل مرة تكاد أن تنفجر,لا تفعل,تظل تعذبنا,يخلق العقل أحداثاً لم تقع,ويقنع صاحبه بها,حتي يصدق أن ذلك ماحدث وتصبح جزء من ذاكرته,ناكراً كل ماعداها..."حكايته مع ميرفت" أهم حدث في حياة عزمي.
حدث بجوار الترعة
ساعة عجيبة قضيتها علي المقهي عندنا في البلدة,بجوار ترعة المحمودية,وعلي رصيف الكورنيش الجديد-أو الذي كان جديداً-كل شئ كان يبشر بأمسية هادئة,حفيف الشجر كان يمكنني سماعه فوقي تماماً,ونسائم الليل تتغلغل في مسامي,حتي جاءت....
أول ما يجذب الانتباه فيها,وجه جميل مطمور تحت أوحال من  القذارة,وأطنان من الأوساخ,تحمل علي يدها طفل صغير,تغطيه بالطرحة الطويلة بصورة مبالغ فيها,اقتربت من طاولتي,ووضعت علي لوحة مفاتيح اللاب توب ورقة:"أنا أرملة توفي عني زوجي ساعدني أخي المسلم"في تلك الساعة كنت لا أحمل في جيبي سوي ثمن كوب شاي وحجر تفاحة,وكم كنت أشتاق لحجر آخر.ولأمر ما جمعت الأوراق من كافة الزبائن,وتركت ورقتها معي,ورحلت....ثم جاء هو...
قام الجميع من علي كراسيهم فجأة لينظروا إلي صفحة الترعة,وجلت,غريق آخر؟!.علي الجانبين كان الناس يركضون ليلحقوا بالسابح في الماء,سألت رجل وقف بجوراي:"هو فيه إيه؟ماله ده""ده حرامي...بس هيجيبوه
ده بيعوم من كوبري أبو الريش ولو عدة الحتة دي-لم يشر بأي طريقة لمكان"الحتة دي"-الفلاحين كلهم هيجروا وراه"
للناس بهجة في ملاحقة اللصوص,لاحظتها أكثر من مرة,تنتابهم لذة الصياد في ملاحقة الفريسة,يخرجون كل أحقادهم وكراهيتهم ويثبتون قوتهم في اللص المذعور,فريسة جيدة للقنص,فرصة ممتازة لإعادة إنتاج القهر مرة أخري.
راقبت الشباب وهم يخلعون ملابسهم ليوهموا الفتيات المتفرجات أنهم سيقفزون خلفه بشجاعة,وليظهروا للمحرومات من الذكورة وأعضائها,أجسادهم القوية,وربما حانت من إحداهن لفتة لعضو ناتئ لأحدهم يخدرها في الأحلام.
كانت ليلة اللص بلا منازع....لكني لم أفكر سوي في الأرملة التي تركت معي ورقة تقززت من لمسها.
قصة غير مفهومة
ليس لي في هذا العالم سوي الأحزان,هكذا أخبرتني خيباتي التي لا تعد,وصدماتي الحارقة الخارقة,ليس لي إلا نفسي الممزقة الرثة,وبضعة كتب قرأتها,وحلمين أو ثلاثة لم أعد أذكرهم,وأغنية أريد كتابتها تبدأب:"من سنتين تلاتة,كنت شاب عالدنيا جديد,النهاردة عجوز محني خد بإيدي الله يخليك",دنيا وبنعيشها من غير لازمة,وبلا سبب معروف,سيقولون تبريرات لا تحصي,لكني لا أصدق أي تبرير,ولا أعرف سوي الألم والعذاب,آه لو كنت معي وأنا أري أحلامي تنهار,آه لو شاهدت ملامح وجهي وهي تتغير عند الصدمة...أيام حزينة بلا معني عشتها,وخيبات لا تحصي...لن أطيل العديد علي دنياي,فأنا قصة لم ولن يفهمها أحد...
جمع البقايا
في اليوم الاخير لظله,وجد نفسه يشعر بها حوله,فعرف أنها جاءت لتصحبه معها,فوّدع ظله,وتثاءب وذهب لبيات ليلته في فراشهما,الباقي علي حاله من سبع سنوات لم تمض عليه أبداً...حسبة الزمان الظالمة.
"وفي بعدك يا عيني عليا,والدنيا بقت مش هي..مش هي.هفضل كده يا حبيبي استني الليالي الجاية"
حين دنا الموت من حسين,وعرف بقدومه لم يعد يذكر في الدنيا إلا هذا المقطع من أغنية أم كلثوم.غريب أمر الموت هذا,كان يفكر أن الله لو رحمه ومَنّ عليه,بإشارة يفهم منها أن:"هيا..اترك كل شئ,تهيأ للرحيل",فسيقضي الباقي في صلاة وذكر,لكن رحيل ماري مبكراً,تسبب له في اضطرابات لم ينكرها هو نفسها.كاد منذ شهرين أن يحرق الشقة بكاملها,بعد أن أشعل النار في صليبها المعلق علي فوق الأريكة,لولا أنه تنبه لما يفعله,احترق من الصليب أجزاء,لكنه فأعاده لمكانه,وتذكر يوم اشترياه سوياً,ودفع ثمنه من أول مرتب بعد الترقية,كان يتمني حينها,لو تمكن أيضاً من شراء سلسلة ذهبية,بدلاً من التي باعتها,في بداية زواجهما بعد ولادة أشرف,ودخولهم في دوامة,الأطباء والأدوية,وبكاء الصغير من آلام لا يتحملها جسده الصغير.
"وفي بعدك يا عيني عليا,والدنيا بقت مش هي..مش هي.هفضل كده يا حبيبي استني الليالي الجاية"
أخذ يردد المقطع طوال الليل دون أن ينقطع بكاؤه,هذا ما أكدته الوسادة التي وجدوها صباحاً,مبتلة بالدموع كأن دلو ماء سُكب عليها.
...حين رأي ماري قادمة نحوه,توقف عن البكاء,وسألها:"لماذا غبتِ عني؟!...ألا تعرفي كيف أصبح من دونك؟!لقد أخذتيني معك,وتركتِ بقاياي تتعذب,اجمعيها وضميها لي"تبسمت ماري وقالت في صوت حنون:"ليس قبل أن تغمض عينيك أولاً"قالت ذلك وهي تتحسس وجهه,وتغلق بإصبعيها عينيه,وهي تشعر ببلل الدموع علي أناملها.....
مسامير الدنيا
بجوار كافيتيريا الجامعة-كلا ليست قصة حب-,جلس صديقي يدخن سيجارته,لم يكن يحب الدخول هناك,حيث الزحام,والطعام,والقهقهات المدفوعة منعاً للحرج كان يحب الانفراد بنفسه كما يصيح فيّ كلما حاولت الاقتراب منه,صديقي هذا كئيب وعصبي منطو دائماً علي نفسه معروف عنه ذلك. وقفت في شباك القاعة المطل علي"الفوود كورت"كما يطلق عليه الجائعين دوماً, أنظرإليه وهو يتأمل عمال البناء المغطون بطبقة قوامها التراب المخلوط بالعرق...دور جديد للكافيتيريا,كل شئ في الجامعة موجود عدا شئ واحد...العلم.
راقب دخان أول نفس وهو يسبح أمامه,داعبه بنفخة من شفتيه وابتسم بمرارة,وفكر:"هكذا نحن البشر,دخان يسبح لكنه ملتصق بالأرض,نفخة تعطينا الحياة,وأخري تسلب منا الروح"نظر للسماء وهو يكاد يبكي.
من يراه وهوجالس بجوار التراب والحجارة,يظن أنه عامل متقاعس,فقد كان يجاورهم عن قرب.أحد العمال يصعد علي (السقالة)والآخر تحت يصيح به"دقها كويس يا محمد"وهو يتراجع للوراء ناظراً للطالب الذي يدخن مستورد,تنهد في سره قبل أن يتأوه آهة مكتومة,خلع النعل والدم يسيل من كعبه,تساند علي الحائط محاولاً إخراج مسمار صغير من قدمه,قفز الكئيب المدخن من مكانه,وأسرع إلي الرجل,عجوز أصلع,وهو يركض نحوه مرت صورة جده في خياله للحظة,له نفس الصلعة وتقريباً نفس السن,لكن جده الآن يرقد في فراشه الدافئ,يستمتع بما تبقي من عمره في هدوء,تاركاً الشقاء لناسه.
-       مسمار ولا إيه يا حاج؟
تساءل وهو يرمق الدم باحثاً في جيوبه عن شئ
-أجاب العجوز ووجهه يتقلص ألماً:
-مسمار حامي ابن حرام
نزل علي ركبيته مضحياً بنظافة البنطال-لم تكن النظافة من أولوياته بالأساس-وتفحص الكعب,أخبره عن العيادة الموجودة في الجامعة... كل شئ في الجامعة موجود عدا شئ واحد... العلم.
مضيا بجوار بعضهما,وقبل أن يغيبا عن عيني أخرج صديقي سيجارتين,أعطي للعجوز واحدة,وأشعل الأخري.
وبهذا تنتهي أحد مشاهد حياة صديقنا الكئيب,العازف عنا,متأبطاً ذراع عامل بناء عجوز,يدخنان في طريقهما لعيادة الجامعة.
وجدت نفسي أقول:مسمار يندق يجمع,يتخلع يفرق...وكل واحد معاه مساميره,الشاطر هو اللي يعرف يدقها فين.وعشقت نفسي وأنا أنطق بالحكمة,وأؤلف قصة شاهدت أشباحها عن بعد!!!
بسكويت
مرت هذا الصباح قبل الذهاب لعملها بمحل بقالة,وكان في صحبتها ابنها الصغير,بدأت منذ أسابيع فقط في تركه يمشي بجوارها في الشارع,فقد أصبح أثقل من قبل,وكانت تردد لنفسها خوفاً أن تحسده دون أن تشعر:"ما شاء الله حصوة في عينك يا رحاب يا بت فوزية".
"كارت شحن بعشرة لوسمحت"
أخذ يقضم البسكويت و يتبعه بالمياه الغازية صاحب محل أقمشة,انتحي جانباً حين جاورته المرأة, أثناء بحث البقال عن الكارت,لاحت التفاتة من القمّاش للطفل,فوجده يحدق في يده حاملة البسكويت,وفي حركة غريزية,مدّ يده للطفل بواحدة,وقبل أن يلتقطها الطفل انتفضت الأم هائجة وصاحت بصوت جذب البقال من عمق دكانه:"لا والله أبداً"حاول أن يغطي الرجل اضطرابه ودهشته:"مادام مد أيده خلاص ياستي خلاص"إلا أن الأم أمسكت يد ابنها بعنف وأبعدته عن الرجل ونهرته حتي بكي,فلم يجد الرجل سوي أن يقول مغالباً تأثره:"ليه كده بس حرام عليكي...ياريت أنا كان عندي زيه!!"
لم تجِب المرأة عليه ودفعت ثمن الكارت وابتاعت حلويات كثير لابنها,ووقف الرجل ينظر إليهما متحسراً,لاعناً عُقمه الذي حرمه من نعمة الولد,ترك ما في يده,ليكمله البقال وهو يشاهد قناة(التت),لاعناً فقره الذي حرمه من متعة النساء.
سالي بالكبدة!!
تولي الكلام الثاني عن الأول ليقوله للثالث,حول طاولة الطعام حيث يتناول الفم الكشري,ويتعاطي القلب الأشواق..ويحترق,وتدمع العين ليس من سخونة الشطة بل من لهاليب الغرام.قد يبدو الأمر هزلياً,وهذا ما يجعله قمة المأساة.
"بس هي سالي دي مخطوبة..هه يا سامح مخطوبة البت دي"
وضع الكثير من الدقة وتمتم وهو يهم بالأكل:"معرفش"
أشار بهاء لحسن.حرك شفاه دون صوت بمعني:"قوله أبوها شغال إيه"
"معرفش"
"آه يا ابن المرة ......."سبّ بهاء سامح وصاحب محل الكشري لأنه لم يجئ بعد بالمخلل ولم يبخل علي حسن لأنه يصدر صوتاً أثناء الأكل,وتمني لو كان الآن بجوار سالي يتدفأ من برد الشتاء بأحضانها الحنونة...الحنونة خالص!
لاحظ سامح نظرات ذات معني بين بهاء وحسن:"إيه يا جدعان فيه ايه؟! هي البت دي شاغلاكو ليه كده؟! دي دي جامدة عليكوا.مابتكلمش أي حد,المستويات بس,دي تعرف صاحب المصنع اللي مشغلكوا ياض,اوعي حد يفكر......"
"هي أصلاً شغالة ايه في المصنع؟!"
"متعرفش بالظبط بس هي ليها سلطة جامدة,وممكن تعمل اللي هي عايزاه"
تابع بهاء الحوار الدائر دون أن يتوقف عن النظر داخل طبق الكشري,لماذا لم يطلبه بالكبدة؟توقف عن التفكير في سالي التي لم يتوقف عن التفكير فيها منذ شهور,وأنّب نفسه علي عدم طلبه واحد مخصوص بالكبدة,وتساءل في حزن:"تري هل تكون الكبدة بلدي؟!!
صفعة علي قفا عدوي
وهكذا انتهت والله الحكاية....لماذا لا يصدقني احد؟!..أجل صفعته علي قفاه ومضيت منشرحاً لأول مرة منذ جئت إلي هذا المكان الوسخ.
وسأحكي لكم الموضوع من البداية,كلا بتلك الطريقة سأظل أحكي لساعات,سأقول ما حدث في دقيقة,من لحظة ما فكرت في الصفع,حتي صوت طرقعة كفي علي قفاه.
هل سترتاح لمديرك,لو عرفت أن اسمه(عدوي)؟!تلك إضافة هامة بعد أن تعرف أنه من هؤلاء الذين يكرهون حتي أنفسهم."يُقال أيضاً يا صاحبي أنه عاجز جنسياً,لا يقف بتاعه احتراماً لزوجته..علمت من أحد جيرانه أن صوت الشبب لا ينقطع طوال الليل,وأنت تعلم...الست لما...."
"يحب ضرب الموظفات الشابات علي مؤخراتهن,يفضل الفردة اليمني للضرب,لم يحدث أن اعترضت واحدة,غلابة ويعلمن أنه(مرخي),فليضرب ما شاءت له كفه"ضرب الحاجة أفظع"
حكايات لا تنتهي يتناقلها الموظفون عن عدوي,حكاية واحدة متأكد منها؛لأني بطلها.
يوم الاثنين,ميعاد خطيبتي,كنت منتظر الساعة الأخيرة لأوقع,وأترك هذه الوساخة,المكان يخنقني,ثرثرة الموظفون,رائحة حيض النساء,وكلامهن المبتذل عن الليالي اللاتي يفتحن فيها القفل للمفتاح,وحكم النكاح من الدبر,ونظراتهن الدهشة لواحدة اعترفت انها تستمتع بذلك,ولا تجد فيه حرجاً,وأنا أغرق في أفكاري,وأصوغ فلسفتي الخاصة عن وجودي هنا:"جئت هذا العالم لأشخر وفي تلك الشركة؛لأتبول علي حافة المرحاض"
ذهبت لعدوي بناء علي طلبه,مسخ,هذا كل ما يقال عنه,رجل تمقته من النظرة الأولي,يعيش دور فتي الشاشة الأول,أقسم أنه يعتقد نفسه رشدي أباظة,مرخي وغد سافل,وفي النهاية عدوي.
"انت دماغك عايزة تتظبط........."
لم أستمع للباقي,تخيل هذا الصرصار يتكلم بعجرفة ويريد أن يضبط لي دماغي"أحه"لا أقول سواها,ولا أرضي عنها بديلاً,صرخت بها,وقبل أن يرفع رأسه من فوق مكتبه,كانت الصفعة,الصفعة التي أراحتني,كشفت لي خواء الحياة,وجعلتني حزم أمري مع"يارا",سنتزوج الأسبوع القادم,مسألة الزواج أبسط من كل ذلك العك,قبول وعقد,وألف مبروك.
الأجرة
يقع موقف السيارت في نهاية مدينة دمنهور,النهاية حرفياً..منه علي  السريع,المواقف كالسجون,عالم خاص يحتوي الكل,ولا أحد يحتويه,كأن الموقف يسيطر علي نفسه,هو سيد الجميع,يستفيد منه الراكب,السائق,الشحاذ,والبائع.حركة الحياة فيه لاتتوقف إلا ليلاً,تجد مثلاً مجموعة من الكلاب,نائمة في استرخاء,يفتح الواحد منه عينه نصف فتحة,وينظر تجاهك في خمول,كأنه يود القول:"إيييييه دنيا,ما عرفش أنا اخش هنا بالنهار,اتعجب يا مؤمن"
كان يدفع الراكب4جنيهات وهو يتململ,من الغلاء قبل مرسي كان ذلك,بعد مرسي5.
صباح الأحد24فبراير,قام عد من الناس المؤمنين,بسبّ الدين لمرسي,وللبلد,وللاخوان,ولنأخذ حالة من جمعية السب الدين المنتشرة حالياً في مصر.
أدخل السائق رأسه من باب الميكروباص,وقال وهو يغلق الباب للنصف:"الأجرة خمسة جنيه يا حضرات"
صمت البعض,واعترض البعض,أعاد السائق فتح الباب,وقرر بحسم:"اللي معترض ينزل يا جماعة"وذهب حيث اختفي,بعد مشاورات نزل شخصان,ركب واحد تلو الآخر مكانهما,كان الأخير حسن الشرقاوي,أحد المضمين حديثاً,للمعهد العالي لسب الدين,تحت رعاية الإخوان!!!
بمجرد أن ركب,ضغطت المرأة بجوار السائق آلة التنبيه,وصاح شاب خلفها:"يا اسطي...اتكل علي الله اتأخرنا"
قبل قليل كان حسن في مشادة مع سائق آخر,بسبب الأجرة, وترك الميكروباص ليركب آخر,وقبل أن يأتي السائق طلب من الراكبين ألا يدفعوا أكثر من أربعة جنيهات,وقبل أن ينطلق السائق قال بلهجة تساؤل"الأجرة خمسة يا حضرات"
انبري حسن في هياج"خمسة ليه يا اسطي,خمسة ليه؟!امبارح كانت باربعة"تعلل السائق بالغلاء والبنزين,وعلا الصياح وتجمع سائقين آخرين,ليساندوا صاحبهم,وحين بد أن حسن اقتنع انطلق الركب السعيد,وفي منتصف الطريق.
تراجع حسن في مقعده,وقرر بلهجة حاسمة:الأجرة4 يا اسطي"
وقبل أن يهم السائق بالحديث صرخ حسن"يلعن دين مرسي والإخوان والبلد بت الوسخة دي,هي من حرامية لكفار,والله كفار يا عم ويقولك احنا بتوع ربنا,ولا يعرفوا ربنا....هنموتوا من الجوع يا عم,ولاد الكلب دول هيموتونا م الجوع,منهم لله"
صمت مطبق في السيارة,والسائق يحدق في المرآة.
حين اقتربوا من أبيس,طلب من السائق أن يقف عند نقطة المراقبة مصمماً أن يحكم الظابط بينها,حكم الظابط أن تكون الأجرة أربعة جنيهات ونصف,دفع حسن خمسة,نزل في خورشيد ساخطاً يلعن دين البلد والإخوان ومرسي,بينما بقية الركاب,أخذوا النصف جنيه الباقي.
حافة البئر وشيشة التفاح
حين شعر ببرودة الجو المنعكسة علي روحه الملوثة؛بأدران يوم كامل من الأوساخ والتفاهات الصغيرة,نادي علي حامل الشيشة الذاهب الآتي طوال مدة خدمته في أكل العيش:" حسين.هاتلي حجر تفاحة هنا الله يكرمك" تساءل والحزن يعتصره من الداخل,لو لم يكن الرجل صاحب الدماغ العالية ذاك العظيم لم يخترع جهاز الشيشة المحبوب للقلب,كيف ستكون الحياة بدون الدخان الصاعد من الفم للسقف,سقف المقهي المختبئ فيه من عيون البشر التي اعتبرها المرحوم سارتر الجحيم ذاته,عندك حق يا عزيزي سارتر البشر هم وحوش المدنية الحديثة,انتهي زمن الديناصورات وكل تلك الأشياء الطيبة...انتهت الأيام السعيدة,وورث الآدمي ذلك القمئ الصغير من الوحوش الغابرة قسوتها,وتخلي عن الحافر والناب واستعاض عنهما بالعين واللسان.
غاب حسين لدقائق وعاد وهو يُظهر الخجل والحزن وتنهد في بؤس:"مفيش تفاحة والله...نجيب اتنين كريز"
وركز عينه علي البائس طالب التفاحة المغدور به,بادر صديقه قائلاً:"يجيب اتنين ياعم" لكن هذا التعيس لم يعرف بعد سرالتفاحة ونشوتها,لا يستبدل بها المتألم أي طعم آخر وخاصة إذا كان ألمه عاطفياً.الحب.....يقال أن محبوبته لها طعم الفراولة وفي قول آخر التفاح,لكنه يفضل التفاح برونقه وطعمه الآسر للروح,القضمة,صوت القضمة...سلوي للقلب المحروم من الحنان,فالتفاحة أسم فاكهة لذيذة واسم لفيلم هابط لا ينتمي لفن السينما,واسم برنامج,واسم لآلات تكنولوجية,واسم لأشياء أخري كثيرة طفت علي ذاكرته في تلك اللحظة...وطعم المحبوبة.
أفاق من خيالاته علي صوت مجموعة شباب تصيح في حماس:هات ماتش برشلونة يا هاني.....هاني الماتش يا ابني"
لعن الماتش والتلفاز وتمني لو قام وحطمه,دشدشه حتي لا يستمع لصوت المعلق الوقح وهو يشتت ذهنه عن التفكير فيها.في صاحبة طعم التفاح.المحروم من تذوقه من شفاه محبوبته.
في رواية ليون الأفريقي للعم أمين معلوف بيت شعر طفا هو الآخر علي ذاكرته,لا يذكر ألفاظه لكن معناه أن الحب ليس ثمرة يقطفها المرء...شئ علي حافة البئر,والبئر به الماء والجو بارد,والبئر في العادة يكون في الصحراء,يالها من حياة متجمدة بدون شيشة التفاح!!
عودة شهيد
الثلاثة الذين حدثت لهم تلك الواقعة لم يذكروها أبداً ؛لأنه لو ذكروها ماكان يتسني لأحدهم أن يسجلّها في أوراقه,فممرضي مستشفي الأمراض العقلية لن يسمحوا له أن يدوّن كلمة في ورقة!!لكن هذا لا يمنع أنها حدثت كما كتب نبيل صلاح وهي موجودة هنا في صورة طبق الأصل:
إذا وقعت تلك الأوراق في يد أحد فليعلم أنها ليست قصة خيالية,حدثت تلك الواقعة الغريبة وشهودها أحياء؛وإن كنت أعذر من يظن أنها حادثة خيالية,فمن يصدق أن ميت يعود للحياة مرة أخري!!!!قد نسمع عن الخوارق وندهش لها قليلاً لكنها لا تشغل تفكيرنا أبداً,فهي أمر يحدث للغير كأن يحكي لك أحدهم حلماً تحقق بالضبط ,أو مصادفة قدرية  أنقذت حياته أو ماله,أو شعوره بوجود شبح يعيش معه,ومن الممكن أن تقابل أحد العرّافين؛فيتنبأ لك بمستقبلك وتتحقق تنبوءاته,لكن أن يعود ميت للحياة مرة أخري ويجلس معك يخاطبك,ومن لا يعرفونه يتعاملون معه ويحدثونه!!!في الأفلام الأساطير القديمة وأفلام السينما,لا يري أحد الشبح سوي الشخص المقصود,ويظل شبحاً للنهاية...لكن(عمار عبد العزيز)لم يكن شبحاً أبداً!
لا أريد أن أُ ُطِيل في الحديث,لكنها أوراق قد تقع يوماً في يد أحد فَيَري فيها نماذج لأُناسٍ ضحوا ولم يغنّموا بشئ؛فيتأسف أو يسخر من القصة كلها,أو يُقدّر تضحيات رجال بسطاء أحبوا وطنهم ولم يبخلوا عليه بشئ وقدموا أرواحهم راضيين.سأحكي وأحاول الإختصار.
ليس في الدنيا سوي صديقين,وإذا كنت أكتب تلك الكلمات في يو25يناير2012فيكون قد مر عام علي صداقتنا..أي أنني عرفتهما يوم25يناير2011في ذلك اليوم الغني عن التعريف..قبلهما كنت وحيداً بعد وفاة أبي ليلحق بأمي التي لم أرها,بعد أن تخرجت من كلية التجارة.عشت تلك السنوات لي صديق واحد فقط:أبي الذي أغناني عن كل الناس؛لذلك ليس لي مغامرة واحدة قد أحكيها لأحد,وليس لي تجربة عاطفية ولو قصيرة العمر أداعب بها خطيبتي الحالية...ما أريد قوّله أني رجل لم أوّلد حقيقةً إلا يوم 25...يالها من خطابية جوفاء وحماسة مفتعلة كما تبدو العبارة لأول وهلّة..ولكنها الحقيقة ألمّ أقل مثلاً أني تعرفت علي صَديقيّ هذين يوم25يناير وهما من عرفاني علي خطيبتي هالة وكنت قبل هؤلاء الثلاثة لا أخطو عتبة البيت إلا إلي عملي كمحاسب,أقوم به كآلة صماء حتي نفرّ مني الجميع؛لأني حتي لا أحييهم ولا أنظر إليهم أبداً..اليوم أصبح لي مجلس ليلي دائم بالمقهي...بعد أن كان الليل لست سنوات حكراً للبكاء علي أبي!!
بالرغم من عزلتي الشديدة وربما بسببها؛كنت مشغولاً لأقصي حد بأحوال المجتمع المصري,والانهيارات المتوالية التي كانت تهدّم مصر وتمزق روحها,وكم قرأت من تنظيرات و تنبوءات عن الثورة وحتميتها,وفلسفة التاريخ وماهية التغيير,وكنت أصدقها وأتخيلها تحدث في مصر,ومما قوي اعتقادي التحليلات التي كانت تنشرها الصحافة الأمريكية والبريطانية,عن الطرق التي تسير فيها مصر...كلها في النهاية تؤدي للثورة,وكان سقوط بن علي حادثة قلبّت كل الموازين في العالم العربي؛لذلك كان لابد من نزولي يوم25يناير للتحرير.
عرفت أماكن التجمع من الفيس بوك وكنت قررت الذهاب لدارالقضاء العالي...في الواقع كنت مرتعباً من السير مسافة طويلة وحدي,ومجازر الشرطة ماثلة أمام عيني طوال الليل سهرته متخيلاً نفسي هاتفاً,محمولاً علي الأعناق,علي وشك أن يضربني ظابطاً علي رأسي وفجأة أجد أيادي أخري تمسك يده بعنف وتدفعه بقسوة لتحميني...أتخيل ذلك وأنا علي يقين أنه لن يحدث,سأظل مندساً وسط الجموع لأحتمي بها ولن أدخل في مواجهه مباشرة مع أي فرد يرتدي الميري,فأنا بطبعي-حتي ذلك اليوم-كنت أخاف إذا رأيت ظلي يمتد أمامي فجأة,فهل سأتحمل مثلاً هجوم كلب بوليسي متوحش عليّ وأنا مقيد!!!لذلك استأجرت سيارة أجرة وذهبت لدار القضاء اقرب مكان لمنزلي.
المشاركات التي شاهدتها علي الفيس بوك كانت تؤكد لي
أنه سيكون سأحكيه بفخرّ لأبنائي بعد ذلك وهم ينظروّن لي بدهشة من لا يصدق أنه كان فيه مثل ذلك في أي بلد..أخيراً سأجد ما أحكيه لأحد!!!
 قبل وصولي لمكان التجمع بأمتار فوجئت برجل يسير وحد هاتفاً بحرقة:عايزين ناكل
ثم يردّ علي نفسه متقمصاً دور متظاهر:عايزين ناكل
ثم يعود لدور القائد وظل هكذا,حتي ابتعد ومشيت في شارع آخر.
كنت أظن أن الوعي العام نضج بعد سقوط بن علي,وعرف أن مصر مشكلتها حسني مبارك وليس أي شئ آخر..لكني قلت لنفسي:واحد جعان من الجعانين..
بعد وصولي بدقائق بدأت المجموعة تسير,لم اكن أعرف أين هي ذاهبة؛فسألت شاب بجواري يحمل في يده علماً صغيراً يلوح به صامتاً:
-همَّ رايحين فين؟
فأجابني كأنه يعرفني منذ سنوات بعيدة وتقابلنا مصادفة بعد افتراق طويل:
-بيقولوا عالتحرير يا حمادة.
قلت ضاحكاً بسرور حقيقي من لهجته الحميمية الصادقة:
-حمادة مين بس ياعم.
كان قد جذبّني من يدي ومشي بجواري وهو يقول:
-ماهو شعبنا نصّه يا محمد يا محمود يا أحمد..وحمادة تمشي دلع ليهم...أنت انهي حمادة فيهم؟!
دفء الجموع في برد يناير جعلني استجيب لروحه المرحة
-لا انا من النص التاني اللي فيهم اسم صلاح نبيل..وانت؟
-أنا من نفس النص برضه...مايكل وديع
وسيصبح بعد ذلك هو أحد اصدقائي الاثنين اللذين اشرت إليهما..كل ما أملك في هذه الدنيا هما وخطيبتي هالة..وأحد الثلاثة الذين سيشهدون عودة عمار عبد العزيز...بعد موته!!
لا يعرف أحد من اسمي ديانتي,وربما كانت تلك حالة نادرة في مصر الآن,فأصحاب الديانتين يصرّان علي التأكيد علي هويتهما كلٌ في مواجهة الآخر..بعد الغزو الراديكالي للإسلام والمسيحية علي السواء..بعد أن أصبحنا نتصارع علي أرض هي لنا بحكم كل ما هو منطقي,وظهور أعضاء من كلا الفريقين يحاولان نفي بعضهما وادعاء حقهم في الوطن,بعد أن احتكر كل واحد الجنة لنفسه  وخاضوا ضد بعض المعركة بمبدأ"الجنة لاتباع ديانتي وانتهي الأمر المعركة الآن علي الدنيا..من له الحق في مصر"
 لو كان حسن الإمام هنا بكاميرته لظهرنا في الكادر؛نحتضن بعضنا ونتصافح ونحن نكاد نبكي من فرط الحب و التأثر!! ظهور الأمن المركزي المفاجئ سيمنع تلك اللقطة؛لأن الضابط لابد ان ينتزع منه الكاميرا,كما حاول أن يفعل مع إحدي الصحفيات,لكن البنت استعادتها مرة أخري وكادت أن تفتك به,وكانت تلك أول طعنة سامة موجهة لخوفي السابق-المقبور-لأني بدون أن أشعر وجدتني أشاركها معركتها ضد ذلك الضابط...
كان يشبه تشي جيفارا,بشعره ولحيته,ونظرته...تلك النظرة,لو عشت مليون سنة,سأذكر نظرة عمار,يسددها بلا جبن,لتقول للناظر إليها:"لن تهزموني يا أولاد الشرموطة,يا أولاد الزواني لن تقدروا علي,سأكون ما أريده وأفعل ما أشتهيه,غصباً عن اللي جابوكوا كلكوا,لن أتنازل عن حقي في العيش,ولا السعادة,وسأصنع منكم نماذج مسحوقة أمامي....."
كل ما تريد أن تقوله ستجده في عيني عمار...
تربيت علي الجبن والخوف,وشجاعاً كان,سألته ذات مرة عن المدارس والجامعات التي ارتادها,ولم أدهش حين أخبرني أنه أوقف دراسته عند المرحلة الإعدادية,ربما لو أكمل لكان مثلي,جاهلا,مقهوراً,مضروباً علي روحه ولعميت عواطفه...لكان "شيئاً" مثلي,وما كان ليعود مرة أخري.
كان الميدان ممتلئ لدرجة الانفجار,البراح كان في دواخلنا,لم نشعر بالضيق,شعرنا باتساع الأرض كأنها أصبحت السماء,الله كان يقف معي في تلك اللحظة,الله الرحيم,الله الذي افتقدته لسنوات خلت.
كان الناس في حالة بين اليقين و اللاتصديق,الذهول كان هو السيد,الجميع مذهول,ومن لم يبد مذهولاً وانشغل في متطلبات الميدان,كان إذا خلا إلي نفسه,ذهل..هل يحدث ما يحدث,وكيف بدأ الأمر بالضبط,وإلام سينتهي,وهل سيفعلها"أولاد الكلب الشعب"كما يقول الخال الأبنودي؟كيف سيكون هذا العام الذي ابتدأ منذ أيام قلائل؟
الثورة كانت في الثورة
اليوم كان في الساعة
والبطن غذائها الغاز
والجسد يستحم بالجرح
والقلوب تهتف
مدد
مدد
مدد
وكان عمار شهيداً.....
لست مجنوناً,ولا كان مايكل مجنوناً,ولا الحاجة نوال كانت مجنونة.
نحن من شاهدنا عمار بعد موته.
في منزلها الواقع قريباً من الميدان,كنا نجتمع ثلاثتنا,أنا ومايكل وعمار,فالحاجة نوال صديقة قديمة لوالدة مايكل,سيدة عجوز قد تتخطي السبعين,قال لنا مايكل بصوت هامس ونحن في الشرفة ندخن,بعد أن تركتنا لتنام:"ست أصيلة بجد,جوزها ماكانش بيخلف,ومارضيتش تخليه يطلقها,وعاشت معاه أربعين سنة,تشوفهم تقولش روميو وجولييت,ماشفتش حب في دنيتي دي زي كده يا عم الحاج,لحد مامات من سنتين-اقترب منا ووشوش آذاننا-أحلف لك أنهم كانوا في السن لسه بيناموا مع بعض"
ضحك عمار وهو يداعب ذقنه:"الحب ولع  في السرير ياله"
الحاجة نوال بنحافتها ووهنها,ونظارتها التي تخفي وجهها,كانت تمدنا بالقوة,وتوصينا بالمثابرة,وأن البلد يستحق أن نضحي له بأرواحنا,فرجتنا علي صورة لزوجها وهو يصافح الرئيس جمال عبد الناصر,في افتتاح أحد المصانع,أخبرتنا أنها رأت عبد الناصر في الميدان أمس...لكن طريقتها في إخبارنا لم تكشف إن كانت رأت صوره,أم رأته شخصياً!
..........
تسلم الإخوان الحكم من المجلس العسكري,في ظروف غامضة ربما يعرفها ابني"عمار",سميته علي اسم صديقي الشهيد عمار,تزوجت هالة بعد تنحي مبارك بيومين,وكانت ليلة الزفاف ليلة!!قذفت دموع كثيرة عقب قذفي لحيواناتي المنوية,سبحت دموعي فوق صدر هالة...عمار ابني ابن الحزن,كعمار صديقي.
بجوار الأستاذ علاء الأسواني,شاهدته آخر قبل أن يرديه رصاص القناصة,كان الأستاذ مع الثوار,وكان عمار يلازمه كلما لمحه,يركض نحوه ويلاصقه كأنه يحميه من شئ مجهول,كان يحمل لعلاء الأسواني دوناً عن جميع الأدباء تقديراً وحباً لا يمكن تخيله,ولثقافة عمار الطاغية كنت أتفهم هذا الإعجاب,فعمار آكل للكتب عبقري في الحوار,وله عدة أبحاث منشورة علي الانترنت,وله علاقات ومراسلات مع كتاب كبار في العالم العربي والغربي؛ولأنه لم يستمر في "مخارب" مصر التي دعوها مدارس وجامعات,كان عبقرياً بحق,يتقن لغات عدة,ويقرأ ويكتب في ميادين شتي,وصفحته علي الفيس بوك ومدونته تجتذب آلاف الزوار,ونشر مقالات عدة في صحف ومواقع إليكترونية.
علاء الأسواني عنده هو سيد الأدباء الذين هم علي قيد الحياة,وكان يبجله لوطنيته ودوره في محاربة الفساد,ويعتبره الأب الثاني للرواية بعد نجيب محفوظ...حدثني عنه كثيراً.
كان الأستاذ علاء يناقش الجماهير مرتدياً قميص وبنطلون في منتهي البساطة,وعلي رأسه قبعة رخيصة,حين اقتربت منه رأيت في وجهه انتصار الثورة,وفي كلماته عزيمة الواثق.
بدأت مجموعته تتحرك تدريجياً حتي اختفت,وأنا غارق في تأملاتي لما حدث وتوقعاتي لما سيحدث.
أفقت علي صوت الطلقات وهو يخترق أذني,ولم أع بنفسي إلأ وأنا أمدد جسده علي الأرض,ودمه يغطيني,ماذا حدث؟كيف رأيته؟متي حملته؟...حتي الآن لا أعرف آخر ما أذكره أنني التفت ناحية اليمين الباقي حلم لا أذكره.
قال الطب الشرعي أنه رصاص من بندقية قناص...تذكرة ذهاب وعودة تلك الرصاصة بين حياتين...سيعود عمار مع ظهور الطغيان الإخواني.
تلك السطور القادمة إلي ولدي عمار صلاح نبيل,حين يكبر ويقرأ:
سيكون لك حياة غير حياتي,وستعيش في عالم غير هذا الذي أعيش,وربما ستسخر من أبوك وتعتبره من الجيل القديم,جيل الفيس بوك وتويتر,الجيل الذي لا تتماشي أفكاره رؤاه مع جيل الشباب,طبيعي يا ولدي...والطبيعي أيضاً أن تكون الوطنية ومعناها ثابت,وأن تكون مصر في عيونكم كما كانت في عيوننا,وأن تعمل لخدمة بلدك وأنت تخدم نفسك,علي الأقل تكون نيتك خدمة الوطن...أنا أعلم أنك ستكون وطنياً كما كان سميك الذي سأحكي بقية حكايته التي لم تنته باستشهاده بين يدي.
لاتظن بأبيك الظنون,فأنا أخفيت عن الجميع الأمر حتي أمك لا تعلم,ولو كنت مت أنا قبل أن تقرأ تلك الأوراق,فاسأل عمك مايكل,ولو لم تجده لأي سبب,فاعلم أن ذنوبك هي التي منعتك....كانت تلك مزحتنا نحن جيل الفيسبوك الذي سيصير عجوزاً حين يظهر جيلك.
مادمت حياً يا عمار لا تأمن لإخواني في السياسة,ولو استطعت أن تبعد عنهم تماماً فافعل,أنت الآن شاب مثقف قارئ كسميك عمار الذي حكيت لك عنه وحفظتك مقالاته وأبحاثه,تعرف ما فعله الخرفان في مصر وما كانوا سيفعلون فيها لولا إرادة شعبها العظيم...العظيم رغم عيوبه...عبارة واحدة سأقولها عنهم:"لولا الإخوان والمتأثرين بهم لكانت مصر المتحضرة المثقفة الجميلة هي التي كنت أعيش فيها,بدلاً من الخراء الذي كنا نحياه".أتمني يا ولدي أن يكون هذا زمنك,الزمن الذي قاتلنا نحن أبناء الفيس بوك وتويتر له..مصر الجميلة المتحضرة.
يقتلون القتيل ثم يؤمون الصلاة عليه...ويقتلون الشهيد حين يعود...
ليلة غاب قمرها,أكلت أنت حينها 10شهور-أذكرها جيداً-كنت في شقة الحاجة نوال أستعيد أيام المجد في الميدان الذي راح,قتل الأوساخ كل ما حلمنا به في الشهور السابقة,نذالة وخسة ودناءة وقف عندها المؤرخون والمحللون طويلاً.قدمت لي الشاي بعد أن رفضت بحسم أي طعام.وعلي غير ميعاد جاء مايكل وبدا أنه فوجئ بوجودي,سألني عن سبب نحولي وهزال جسدي,كان يعلم أني أكذب وكنت أعلم أنه يعلم أني أكذب,لكننا أردنا تصديق أننا كالماضي مشاكلنا الشخصية والعملية هي فقط ما تشغل بالنا,وتأكل أرواحنا وأجسادنا,لم نكن نريد مواجهة السؤال الرهيب,أو الحديث عما كان ومخاوفنا مما سيكون.
من تلك اللحظة سيبدأ الجنون.
جلس ثلاثتنا في الصالة صامتين,نحدق في اللاشئ,دق الجرس,قبل أن تحرك الحاجة نوال جسدها لتنهض من الكرسي,فتح مايكل الباب,تراجع مذعوراً وهو يشهق,بالطبع أنت لاحظت جحوظ عينيه الواضح,وتعلم بارتجاف يدي المستمر,فظهور عمار عبد العزيز الذي دفناه بأيدينا,بنفس ملابس استشهاده التي أخذ كل منا جزء منها.....رأينا عفريته ببساطة,الوحيدة التي لم تصب بأي ذعر كانت الحاجة نوال,فهي أكثرنا إيماناً وطمأنينة تمتمت بآيات القرآن وبهدوء حدثت عمار,بعد أن اجتاز مايكل الجامد جاحظ العينين بصورة مخيفة:"جاي طالب مين؟باسم الله وبأمره بينا وبينك حجاب,باسم سيدنا النبي حارسنا ما تئذيناش"
"قد كده أنا مخيف"...حين شاهدت شبحه الحزين ارتجفت يدي وأوقعت الكوب"حتي انت يا صلاح".
يداي ترتجفان....كأني أراه أمامي الآن.
"أنا جاي أقولكوا حاجة واحدة بس,أنا مت تلات مرات,مرة من مبارك,والتانية من المجلس العسكري,والتالتة من مرسي...أنا مت بعد مامت"
ثم رحل..........."
لم يكمل صلاح نبيل كتابة حكايته...لكنه قال لابنه ذات يوم"الشهداء يموتون كلما رأوا أحلامهم مهدورة بسيف الظلمة...فلا تشارك في قتل شهيد بنسيان هدفه الذي مات لأجله...يا ولدي الحكايات العظيمة لاتنتهي بموت أصحابها بل تبدأ"
ذكريات بابا يوسف
1
لا يعرف ما ذكره"بميس ميريت" اليوم منذ أن صحا من نومه وهي لا تفارق خياله.
"شوفي يا إيمان هانم أنا ماتعلمتش من الخرا اللي اسمه اللي التعليم المصري ده,غير وأنا في أولي ابتدائي,من واحدة الله يمسيها بالخير بقي ولا يرحمها,كان اسمها ميريت علمتني الإملا والحساب,وكل السنين اللي قضيتها في الخرا اللي اسمه تعليم مصري,كانت سنين إيذاء بدني ونفسي ليا,اتعلمت فيهم القهر وخدوا مني كل اللي كان ممكن يخليني شخص كويس....لولا الخرا اللي اسمه التعليم المصري,لكنت إنسان أفضل بكثير"
وتذكر وهو يتبول,ذلك الكومنت في الفيس بوك...ميس ميريت,ببنطالها الضيق وروحها المرحة,للأسف لم يعد بابا يوسف -كما يحادث نفسه أحياناً,بعد أن انجاب"جميلة"التي جعلت من بابا يوسف ذكر من الأذكار يحلو له ترديده-يذكر وجهها بوضوح,لكنه لن ينسي يوم أراد الذهاب إلي الحمام وكانت ميريت منحنية علي تختة تصحح الواجب,ولم يجد بداً من الاحتكاك بها للعبور..مالم يذكره في الكومنت أن ميس ميريت أول تجربة جنسية له.
تسارعت دقات قلبه وهو يعبر محتكاً بمؤخرة ميس ميريت,ونظرات أشقياء الفصل له وهو يمر,لا يستبعد اليوم أن تكون ميس ميريت قاصدة ذلك,حرمان الإناث من الجنس لعدم الزواج,يضعهن في جحيم,ولا تلم العطشان لقطرة ماء,لم يكن ينتصب بعد,لكن شعور خفي بالبهجة لازمه تلك اللحظة,عطرها الأخاذ,وشعرها المنساب,وجسدها الطري...أشياء وأشياء شعر بها في لحظة.
ميس ميريت لم تفارق خياله إلا عندما تمدد بجوار زوجته,وأطفأ النور,وغرق في هموم اليوم ومخاوف غداً.
2
كان جلوسه في المسجد بعد صلاة الجمعة هرباً من إلحاح أمه علي المذاكرة,سبباً "لانضمامه لحلقة من حلقات العلم وروضة من رياض الجنة",يتزعمها سامح بتاع البلاي ستيشن,صاحب العبارة الخالدة"اللعيب يلعب ولو بخشبة"يطلقها حين يكون الذراع بايظ,والولد يطالب بذراع سليم,كل متزعمي حلقات العلم,وصانعي روضة الجنة,لا يعرفون سوي الكتيبات الصغيرة التي يستقون منها جهلهم ليعطوه للأطفال الصغار,حياة من السذاجة والسطحية,وجريمة متكاملة في حق الطفل,بجملة الجرائم المرتكبة في حقه,في زاوية منعزلة في إقليم بعيد,تمت محاولة استقطاب يوسف لجعله خروفاً,كالخرفان الذي انتضموا للجماعة وعاشوا في كنفها منذ الصغر,لكن عقل يوسف كان سابقاً لسنة’فلم يسمح بإدخاله لحظيرة الخرفان,شاهد أمثالهم في الشباب والكهولة يأتون لحلقات العلم ويرحلون,اللزاجة لا تحتمل,الخرافة يحولونها لدين,والجهل متفش فيهم كلهم بلا استثناء, يأخذون من المساجد والدين بسطائهم دثاراً من الزمن,وطبعاً لا ضير من بعض المساعدة المالية.
كان يراقبهم بعين الحذر,يحاولون أن يبدون ملائكة,حياتهم لله ومعاشهم لله,كله لله....ياللنفاق!وصدقوا أنفسهم فعلاً فظنوا أنهم أفضل...ياللغباء.
الآن بابا يوسف يصلي,ويجلس في المسجد مع مجموعة من الأصدقاء,ربما تحدثوا عن كتاب وهم الإله وناقشوه بعقلانية,أو تحدثوا عن فيلم جيد,وربما أوصوا بعضهم برواية أدبية,أو أي عمل فني يتحدث عن العيوب الإنسانية,ويصالح المرء علي نفسه,ولا يدع له مجال إدعاء الملائكية في العالم المادي,ذات مرة تحدثوا عن الناسخ والمنسوخ وواجهوا مآسي التاريخ الإسلامي ومشاكله الفقهية بشجاعة وبلا مواربة...يفعلون في حلقاتهم كل شئ له علاقة بالعقل....وبابا يوسف يشعر كل مرة أنه أقرب لله؛لأنه يشعر بإنسانيته ويفكر بقلب العقل,ويؤمن بعقل القلب.
3
ينظر لها منذ ثلاث سنوات ولم تبادله سوي كلمتين ونظرة."فاريهان" لو كان للجمال اسم فهو اسمها,عشقها بغباء,لم ير في الحياة سواها,تخيلها أثناء ممارسة العادة السرية عشرات المرات,اشتهاها بجنون,فهم لماذا يغتصب العشاق حبيباتهم رغماً عنهم,تمني أن يلتصق بها للأبد,أن يريح رأسه الملئ بالأفكار والهموم علي صدرها الطري المثير,ينتظرها في الكلية من شباك الحمام؛ليراها وهي قادمة,تمسك الموبايل وتتحدث فيه,تثبت شعرها الذي يطيره الهواء,"البادي"يظهر نهديها المتعبان,تضحك وهي تتحدث,تظهر أسنانها البيضاء لتشكل مع شفتيها الورديتين بهجة عمره.
دوماً تتحدث في الموبايل,اجتماعية بقدر ماهوانطوائي,قابلها مصادفة أثناء دخوله وخروجها كانت تحدث خطيبها الذي تصفه أنهsexy,ظن أنها تضحك له فتمتم بلاشئ من إحراجه,حكي لصديقه عما حدث,قال أنها حيته ونظرت له وابتسمت,تشكك صاحبه قائلاً:"مايمكن حاطة الهاند فري وانت مش واخد بالك",بسذاجة لا حدود قال أجاب:"لا دي كانت بتتكلم فعلاً في التليفون",انفجرا ضاحكين,دمعت عينهما من الضحك,لكن دموع يوسف كانت دموع حسرة وألم.
شاهدهما مؤخراً صدفة في مقهي سكندري,لم تتعرف هي عليه,ناداه زوجها وطلب منه أن يلتقط لهما صورة,كان شاب مهذب,وكانت ابنتها تشبهها إلي حد كبير,تتوسط والديها والثلاثة يضحكون في سعادة,دمعة واحدة كانت خلف الكاميرا.
الأفكار السرية لطالب عادي
سيكون صريحاً معنا هذا الطالب"العادي" وسيخبرنا بكل ما كتبه,لكننا لن نكون معه بتلك الأمانة..فالحقيقة أن تلك الورقة تم إيجادها بفناء الجامعة حين كان يركض لسبب لا يهمنا نحن,فوقعت منه ووصلت لأيدينا لسبب قد يهمنا....
"كل صباح حين استيقظ اسائل نفسي والعبث ينشب مخالبه في عقلي:"أين تذهب يا رجل؟!هل صدقت أنت أيضاً اللعبة وأصبحت مهتماً ب(العملية التعليمية!!)تلك التي جعلت منك ومن جيلك ذوات مفرغة من كل ما هو إنساني,وزرعت فيكم وهم اسمه النجاح المغشوش يتم تقديمه لكم علي أنه التميز والتفوق؟...إذا كان هذا هو مبتغاك,فستناله.ورقة مختومة بعد الإجابة عن الأسئلة التالية وستنجح وتأخذ شهادتك,وتنصب كشخص صاحب لقب,وسط طوفان الألقاب,لكنك ستخسر ما ستكونه لو عملت خارج تلك الدائرة الحمقاء,المسماة زوراً(التعليم!!)..تأمل التعليم بالخارج وسمي هذا الذي يحدث أي شئ آخر.
لابد أن انهض واذهب بقدمي إلي الجامعة,اذهب إليها بقلب يودع أحلامه ليودع نفسه في حالة من حالات "الخنزرة" أي أن تكون خنزيراً بشرياً,أنا بالطبع لم أصل لتلك المرحلة بعد,وإلا ما كنت اكتشفتها..لكني أراها تقترب مني بسرعةوربما تفعل فعلها في الآن...منذ أن قرأت كتاب العقاد المسمي عالم السدود والقيود,وأنا أردد كلما رأيت ماريهان,مطلع الأغنية التي بقيت في ذهن العقاد"رايحة له فين ده عليه سنتين"وأتخيل نفسي أرددها مع المساجين بينما أمسح الأرض!!كلما رأيتها تكسرني هذه البنت؛عينيها تكشف لي خيبتي وأحلامي الضائعة,صوتي الذي لم أعد أعرفه يصرخ في"هل تستحق تلك النورانية يا فاشل؟! إنها مصنوعة من البهاء,ابق أنت مع المساجين تمسح الأرض وتعدد"
ليس لي من الأمر شئ,فلو لم أكن مصرياً,وبصراحة في لحظة صدق نادرة مع النفس لوددت أن أكون أمريكياً,وكعادتي أتجني وأتسرع في الحكم,وبعد دقيقتين سيجرفني الحنين لوطني الذي أنا فيه,يبدو أن مصطفي كامل مثلي,هناك ما يجبره علي أن يكون مصرياً...شئ في هذا الوطن يجعلنا نحبه حتي ولو سرق منا أنفسنا,سنود أن نكون مصريين.....لكني لو كنت أمريكياً,كنت سأتعلم في جامعة(حقيقية)و أقول لنفسي أني شخص متعلم بضمير مرتاح,ليس علي سبيل تزيين الذات وتجميل النفس,بل بتجربة واعية جعلت عقلي يعمل,وروحي تستكشف الحياة,بدلاً من حالة التبلد التي أعيش فيها انتظاراً لنتيجة آخر العام.لكنني مصري,وأدفع ضريبة كوني مصرياً.
الآن(السيد الدكتور الأستاذ الجامعي!)يشرح لحضراتنا من الكتاب المفروض علينا شراؤه!وأنا في عالم مواز له,عالم من إبداعي لا يمكن أن ينفذ إلي أو يخترق كياني الداخلي,بعيداً عنه وعن من بجواري,وحتي عن ماريهان التي أشعر بها حتي ولو كانت في أول القاعة وأنا في آخرها,أسجل تلك الكلمات بلا ترتيب,ولا نية مسبقة,قد أضعها علي المدونة,أو علي الفيس بوك...لكني لن أفعل ذلك سيسخر مني أصدقائي الذين يدمنون سماع:آه يا دنيا" ومشاهدة فيلم شارع الهرم.سأظل أكتب حتي نهاية (المحاضرة) وأضع تلك الأوراق مع إخواتها الآخرين,لأحرقها في مدفأة منزلي المطل علي أوروبا وأنا استمع لأديث بياف...حين أصير ما أريد.
في تلك الل.............."
للأسف لم نجد الأوراق كاملة,عزيزي القارئ لو كنت تعرف هذا الشخص,فأخبره إما أن يعطينا الباقي أو يأخذ الضائع.
ألف جنيه
يتكون مبني الحزن من ثلاثة طوابق,الطابق الأول تسكنه الخيانة,الثاني الخيانة,الثالث العجز عن نكران الخيانة,ولا يتبادر إلي ذهنك تلك الخيانة المعروفة بين البشر وبعضهم,الخيانة شئ جواني,يعيش معك في كل لحظة,تخونك آمالك و وأحلامك,وتصفعها الحياة وهي ترقص رقصة الفرح,حاول أن تتخيل رقصة عروسة جميلة, تدور حول نفسها ثم تجيئ كف غليظة لتصفعها,هكذا كانت أحلام الفتي عبدالله,قبل عدة ساعات دقائق من دخوله لمنزله,ليجد الألف جنيه التي ادخرها من عمله كسائق تاكسي من شهور طويلة,حتي يقضي بها أيام قليلة في حضن بحر الأسكندرية,في حجر أمه اكتشفتها عن طريق الصدفة وهي تتمسك في الدولاب القصير,ليساعدها علي النهوض,فلامست أناملها"الباكو"مختبئاً,بمجرد رؤية عبد الله الألف جنيه في يد أمه,تبخرت أحلام الأسكندرية,ومشاهدة النساء بملابسهن المبتلة علي الشاطئ.
ظل يمني نفسه بتلك الفسحة من شهر يناير,حتي ما قبل أغسطس,فإذا باليد القابضة علي كل حياته,تقبض علي أيامه القادمة,وتمنع عن جسده ماء البحر,الأحلام هي الأحلام,حتي ولو كنت تحلم بدخول الحمام وأنت في الطريق السريع ولا فرصة للتوقف,وضياع الألف جنيه من يد عبد الله كضياع أموال عائلة روتشيلد تماماً,لا فرق بين الشعورين.
-يعني انت مداري ألف جنيه بحالهم يا ابن المفترية والدار مافيهاش غير غداها؟!
لنتعاطف مع عبد الله,فهذا الفتي ظل يسمع حديث الشاطئ,تتناقله ألسنة أقرانه بسعادة,بينما هو لم يسمع صوت البحر سوي في التليفزيون,وبعد أن تخلي عن أحلامه الضخمة,في الحب والزواج والاستقرار,وجد حلم قد يتمكن من تحقيقه,إذا جاء علي نفسه وحرمها من الكثير,لكن من قال أن الحياة تمضي علي كيف سي عبد الله,لابد أن تمضي علي كيف ظروفه وفقره وحياته البائسة التعيسة.
-والنبي يا اما دول جايين بطلوع الروح وطرش الدم صباح ومسا
صرخت الأم في غيظ:
-إوعي يكون عندك سنيورة يا سي السيد بالعة فلوسك يا موكوس
-والله دي أول أحوش عنكم فلوس اللي في جيبي في إيدك
-وانت اتخبلت وفكرت الدولاب هو إيدي
لا يجرؤ عبد الله علي البوح بسر المال علي الدولاب,فلو عرفت أمه السبب ستجعل الحارة عندهم في دقيقة,وسينفضح عبد الله,الأناني,الوسخ,عاق أمه ومعذب إخوته البنات.
-الفلوس في إيدك اهي خلاص.
-خلاص...بس جنيه تاني ألاقيه تاني......!
ذهب عبد الله إلي حجرته وهو يتساءل"أمي هتعمل إيه بالألف جنيه...دوا ولا أكل؟" ثم تمدد علي السرير بملابسه,و نام علي أنغام الأمواج.
راديو لا يذيع أغنيات أم كلثوم
لم يعد الراديو يذيع أغاني أم كلثوم,الحياة فارغة بلا صوت الست ينعي له الحب والعمر والميعاد الفائت,وحده في الحجرة المظلمة يدخن,يتذكر أحلامه المدفونة داخله...اليوم عيد ميلاده الثلاثين,منذ عشر سنوات أخبر صديقه وهما يدخنان في المقهي:"شوف قدامي عشر سنين كمان عشان أبقي حاجة"هو ذاته لم يكن يعرف ما هي"الحاجة"التي سيكون عليها بعد عشر سنوات,العشرين عمر الخداع,حيث الفتوة وتوهم القدرة علي فعل كل شئ,الدنيا مفتوحة أمام الفارس الذي سيدين له الجميع,المنتصر المستقبلي في المعركة الدائرة علي النجاح....حجرة مظلمة وسيجارة أخيرة وراديو لا يذيع أغنيات أم كلثوم,ووظيفة مراقب إنتاج في مصنع,ينام خلالها بجانب الماكينات وسط العمال,هي تلك "الحاجة"التي أصبح عليها اليوم,إضافة إلي اشتياق جارف لحضن أثنوي حنون,لا يهم مواصفات الأنثي.المهم دفء جسدها,في ليالي البرد القاسية,المهم صوت يخفف من وحشية وحدته,ينزع من أيام صمته ناب مغروس فيه,لا تزال كل المحطات خالية من صوت أم كلثوم,الصوت الذي انتعشت عليه أحلامه,حين كان يحلم,فحين كانت بالحب تشدو,يفور قلبه وتشتعل عواطفه,ويصبح عاشقاً سارحاً في ملكوت الحب,مع الفتاة الي رسمها له خياله,وعاشرها كحقيقة,حتي كانت توقظه من نومه بقبلة,وتودعه بضمة,الراديو لا يذيع سوي أخبار الحرب,وعدد القتلي,ومن أصيب ومن هو مفقود,الراديو ليس فيه سوي أخبار ثورة مسروقة,والحرامي يفتخر بسرقته ويتوعد الشعب بالمزيد من الإجرام,ليس له سوي أخبارالدماء,تصريحات عفنة تفسد الهواء من حوله,ليس له سوي خيبته الثقيلة ينوء بها,ليس له حتي قصة لنحكيها...ليس هناك سوي راديو لا يذيع أغنيات أم كلثوم.
ما قاله الناجي الوحيد فوق رماد مدينة الطائفية
وسط بحر من الضحايا امتلأت به شوارع مدينة الطائفية,وقف الناجي الوحيد غارقاً بالدماء ومحاصراً بالجثث,لن أصف لكم الجثث المتكومة,تكفي معرفة أن الناجي كان يقف علي وجه طفلة صغيرة دون أن يشعر,ليس للناجي أي ملامح ظاهرة من الهباب الذي غطي وجهه,لا تبرز منه سوي عينين سوادوين,يحركهما بجنون حوله,لعله يري أي دليل علي أن تلك هي مدينته,وليست غيرها ما يقف فيها الآن,لعله يسمع صوت آدمي يؤنسه ويعيد له اتزانه,هدأت أنفاسه واستقرت عينه علي أطلال المبني المواجه,فأغمض عينيه و استلقي بين الجثث,دون رهبة,ثم قال لرفيقه الميت الذي لا يعرفه:
يبدو عليك أنك لست من أهل هذه المدينة,وجئت هنا فقط لتموت فيها,تلك الميتة البشعة التي لا يستحقها سوانا نحن من قضينا علي أنفسنا...هل تريد معرفة السبب...سبب موتك هنا غريباً وسبب ضياع مدينتنا...حسناً سأخبرك....كما يعيش الإنسان وهمه ويصدق كذبته,تفعل المدن ذلك أيضاً,ظللنا نقول لأنفسنا,نحن مدينة متدينة,مدينة متسامحة,مدينة عاطفية,هل تعرف أيضاً يصدق نسبة كبيرة منا أن لدينا أذكي أطفال العالم؟!...أجل أعلم أن مدينتكم تقول ذلك أيضاً,كل المدن تعتقد ذلك,لكننا آمنا بكل تلك الأوهام,فلم نعد نري عيوبنا المبيدة قائمة أمامنا تتوحش يوم بعد يوم,والخلاف الذي يتسع بين سكان المدينة,والهوة التي تفتح فوهتها لابتلاعنا بسبب حماقتنا,ولم نفيق إلا ونيران الطائفية تحرقنا وتحرق مدينتنا...لا أعلم لماذا وحدي بقيت حياً!..ربما لأني حذرت يوماً أن الطائفية ليست بين الديانتين الموجودتين في المدينة وحسب,بل بين الغني والفقير,والرجل والمرأة,والمتعلم والجاهل,كنت أري بعقلي كيف أن مدينتنا تم تقسيمها لطوائف منذ أمد بعيد,طوائف تكره بعضها ويتمني كل منها الخلاص من الآخر,ورأيت أيضاً بعين خيالي ذلك اليوم,اليوم الذي ستحترق فيه مدينتنا بنيران أهلها,فكل واحد منها أصبح يحمل اليوم شعلته متأهباً للهجوم علي أخيه,فلم يعد يحكمنا قانون,منذ أن ضحك علينا رجال الدين,لا ينتمون لنا ولا لديننا,بل لفكر وهوية أخري,وربما لديانة أخري,غير تلك الهوية والديانة التي نعتنقها,وقاموا بعمل قوانين لتحكم سلطتهم علينا,لا لتحكم سلطتنا عليهم,وضاعت دنيتنا وأمننا علي يد جماعة تتسمي باسم الدين,وتتكلم بلغة المال,وتفعل بلغة العنف,قامت بعملية خطف لمدينتنا,ومزقت شملها لطوائف,مشتقة من الطوائف القديمة,فكان سكان المدينة خائفين جائعين,حياتهم كتلة من جحيم النار التي كانت تلك المجموعة تحذرنا من الأفعال التي قد تقودنا لها,فيمتنع سكان المدينة,بينما هم يسارعون لارتكاب كل الموبقات التي نهي عنها الدين الذي يتسمون باسمه....يوم شعرت بعجزي عن حماية زوجتي وإطعامها,وطمأنة أبنائي من خوفهم,بدأت الاستعداد للرحيل,فقد رأيت الهول طالاً علينا,لكني تأخرت,فالمدينة كانت شبه فارغة من كل شئ,ومتوقفة عن كل عمل,فتأخرت إلي اليوم,ثم بدأت....
وهنا سقطت كتلة حجرية ضخمة من المبني المواجه,فسحقت الناجي الأخير قبل أن يكمل حكايته.