السبت، 9 نوفمبر، 2013

عشر خطوات في جانب مظلم



عشر خطوات في جانب مظلم

اختار الجانب المظلم ليمشي فيه مع همومه وحيداً,الشارع طويل يمتد من أول الترعة حتي شارع سكني مأهول,لم يقابل سوي الكلاب الضالة والفئران,ليلة جمعة الحظر الأخير,هذا شارع الوكالة,الوكالة في منتصفه وعلي الجانبين عمارات لم تسكن بعد وورش مكيانيكية مغلقة,هو والظلام,وأفكار تدور في ذهنه عن نفسه والحاضر والمستقبل,وسيجارة كليوباترا يدخنها كحبيبة وفية,لم يكن هو علي نفس القدر من الوفاء.
صرخة مفاجئة اهتز لها داخلياً,وبعد تدريبات نفسية عديدة للتماسك وهزيمة التوتر استطاع أن يضبط أعصابه,أول فكرة طرأت له أنه إما عيل صايع يريد أن يشعر بسطوته عليه,أو شبح سيظهر له في الظلام,هذا الجانب من الطريق ليس به كشاف واحد يعمل,تمتلئ أرصفته بالزبالة وجانبه المواجه للوكالة بسيارات ضخمة"أنت ياله يا ابن دين الكلب"هل تسب الأشباح بالدين؟! استطاع تمييز خمسة أو ثمانية شباب صغير السن يعتلون سقف باب الوكالة الواطئ,ميزهم بلا النظر لوجوههم,وقفتهم وما يلعبون به في أيديهم أخبراه بما سيحدث بعد لحظات,ترامت عليه الحجارة والعصيان,كان ينتظر موقفاً يُظهر فيه اتزانه النفسي وجرأته وهدوؤه بعد اختبار موقع الـbbcالذي أظهره كشخص متوتر بنسبة لم يتوقعها,استفزهم أكثر صمته ولامبالاته بهم,حاول أن يتفادي الطوب والزجاج المقذوف,يد في جيبه ويد يدخن بها السيجارة,لم يبدُ عليه أي شئ,فقط انحناءة من رأسه لتفادي طوبة,أو ميلة بسيطة علي جانبه الأيمن.
أصابته حفنة تراب,وطوبة في قدمه,وعصا في كوعه..نتاج عشر خطوات أمام باب الوكالة.
عرف قديماً طبيعة البشر وأذاهم,لا ينتظر من الحياة سوي الحزن والضرر,وعاها وعرفها علي حقيقتها,مع حبيبته التي واعدها في منزلها,بعد قراءة الفاتحة,وبعد أن تركهما والدها في حجرة السفرة,ووارب الباب ليرقب من الصالة,لم تعرف سبب صمته ولا حزنه الزائد,تعرف أنه كئيب ومنطو علي نفسه ,أو كما قالت لها صديقتها حين رأته:"الواد ده دمه واقف كده وتحسي إنه بالله شوية..معلهش يعني",حاولت وكان يعرف أنه لو أخبرها فلن تفهمه,وشعر بالندم لاقترانه بها,جذبه في البداية النهدين البارزين,والوجه الجميل,والجسد الذي يعد بالكثير,لم يترو ليفكر في حياتهما العاطفية والروحية,العمر يجري,وفي منتصف الثلاثين لا نمتلك اختيار مواصفات شريكة الحياة,تنصل منها بمراوغات عدة,واختطف قبلة سريعة,ومسك يدها:
-بتفكري في إيه دلوقتي يا حنونة؟
-في المطبخ اللي لسه ماتجهزش يا حلو!
الزواج تغير كثيراً عن جده الأول,البدائي السعيد,كان جده يغضب بشدة ويثور ويذهب لأم زوجته ليؤنبها؛لأن زوجته كانت عذراء ليلة الزفاف,ومعني ذلك أنها غير مرغوبة من الرجال,ومع ظهور الملكية ونشأة العائلة,كانت للعذرية نصيب الأسد,يريد جده الثاني أن يتأكد أن من سيرثه هو ابنه وليس ابن غيره,فنشأ المهر للزواج والاقتران بالأنثي كصفقة تجارية,يمنح الأب ابنته وعذريتها للرجل المالك,مقابل مبلغ مالي محترم مدفوع,طبعاً هذا بعد المشاع الجنسي المنكور من بعض الباحثين...وهو الآن يدفع مهر,تلك البدعة الإنسانية المعترف بها دينياً الآن,دارت تلك الأفكار وهو في طريقه للصيدلية ليجلس مع صديقه الوحيد,البوكس يمشط الشوارع من البرشمجية والمدمنين,الصيدلي مع انهيار الحال المالي للكل,أصبح شبه "ديللر",احترام صديقه وفخامة صيدليته لم يمنعا عنه الشك,قابله الضابط وهو خارج بنظرة فاحصة,اكتفي بالنظارة الطبية والوجه النظيف الهادئ كدلالة علي عدم إدمانه.
"إنت ياله يا ابن دين الكلب"
سمعها مرة أخري في خناقة عالية الصوت.
-شوف إوعي تستني من الحياة خير,":....."أم التفكير علي اللي بيفكروا,وأنا بافكر ياما؛عشان كده باقولك كده...يا إما بقي تضحك علي نفسك وتعيش موهوم سعيد عبيط
لا يحب أحد سماع تلك الكلمات أبداً,تشاغل الصيدلي برص الدواء علي الأرفف,وفي الخلفية صوت موتوسيكل يذيع صاحبه منه بأعلي صوت ممكن اخترق أذنه"عبده!!!عمل إيه؟! عبده!! حصل إيه؟! لا والنبي يا عبده لا والنبي يا عبده"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق