الثلاثاء، 12 نوفمبر، 2013

زحام

زحام

اسكتش
المشهد الأول
حجرة صغيرة مطلة علي شارع تصلنا منه ضوضاء في البداية,تخفت مع مرور الوقت,يجلس عليها"علي" معطياً ظهره للجمهور ويبدو أنه مستغرق في حوار داخلي-تم تسجيله من قبل-,ولا يُخفي النشيج الباكي في صوته المتهدج.
علي:لا تقف كل الأفكار دي حالاً,أنا كده هاتجنن,أو هانتحر...محدش حاسس بالعذاب غير اللي بيتعذب,ولا حد فاهم حد,صعب صحيح أنه حد يفهم حد...بس لازم يكون فيه حد بيحس بالتاني,لازم حد يحس بيا في العالم ده,أكيد فيه الإنسانة اللي ممكن تحس بيا وتفهمني,غبي!عمرك ما هاتتعلم أبداً,قلت لك ميت مرة مفيش حاجة أكيد,وجودك نفسه مش أكيد,تقدر تثبت لي أي حاجة في الدنيا دي؟!ولا بلاش أحسن تدخلنا في متاهات مش فاضي ليها,أو الأفظع من كده..تديني إجابات جاهزة,يا نمطي يا مُبرمج,العذاب عذاب التفكير,التفكير جحيم والمعرفة لعنة,نص التفكير هو الحاجة الحلوة,بترضي بيها نفسك وغرورك,وشبه المعرفة حاجة كويسة,بتخليك دوجماطيقي مرتاح لرأي ومصدقه,لكن غير كده الجحيم,والجحيم إنت عايش فيه,عايش فيه يا علي يا أبوأربع عيون,زي ماكانت بسمة اللي بتحبها وأنت صغير بتقولك كده وتغيظك,ولما كبرت ما عرفتكش لما شوفتها في الكلية,ماعرفتكش برضه؟!ولا اتجاهلتك يا مغفل يا جبان,يااللي بتفكر تعمل زي الواد اللي داخل علي تلاتين سنة ولسه بيسقط عشان ما يخشش الجيش...إنت ماتستحملش جيش,ممكن تموت يا أبو أربع عيون...
يبتر الحوار الداخلي صوت شاب ينادي من الشارع,لا نراه ولا نري أم علي التي ترد عليه.
أم علي(بلهفة):اطلع والنبي يا أستاذ,ده قاعد قافل علي نفسه من إمبارح
علي(صوت داخلي):يانهار أسود يا أمه في الشارع كده
بعد دقيقة يدخل مؤمن صديق علي,يبدو أكبر سناً مما هو عليه
مؤمن:إيه يا ابني الجو الرخيص اللي قاعد فيه ده,ريحة الأوضة كلها سجاير,وشكلك مكتئب وحاطط بوستر جمجمة عظمية...فيه إيه؟
علي:فيه إني اتخنقت,بافكر أطلع بمظاهرة ضد السيسي لوحدي,وأموت من التعذيب,أو أطلع بمظاهرة ضد مرسي وأموت من الضحك..كفاية لحد كده أصلاً,لا خدنا حاجة ولا هناخد حاجة.
مؤمن:إنت عارف إني اسمي عكس حقيقتي,بس عمري مافكرت في الموت كنهاية لحياة الإنسان
علي:أسرار كتيرة عمرنا ماهنفهمها,مافيش حاجة عند الحاج دوكينز ولا الناس الغريبة دي اللي بتقول عليها تقول إحنا عايشين ليه؟وهل كان ليه لازمة الموضوع ده من الأًصل؟
مؤمن:فيه عند عمك مؤمن,أحب أقولك إن إحنا عايشين عشان....ولا أقولك ده حوار طويل,البس ويلا بينا
علي ينتقل من الكرسي للسرير,يتمدد وينظر للسقف بشرود
علي(بعد فترة صمت):أنا خايف أنزل
مؤمن:دي أعراض خطيرة
علي(في همس):أنا علي ابن عم علي اللي خايف ينزل من بيتهم
مؤمن:إيه؟!
علي:ولا حاجة
مؤمن:فيه حاجة حصلت؟
علي:اتفتشت أنا وسميرة الإسبوع اللي,والظابط مسك حاجات في جسمها ومشينا مكسوفين من بعض,ولحد دلوقتي عيني ماجاتش في عينها من ساعة ما الظابط ما خبطني علي ضهري وقالي"شكلك في البطاقة ياله يخوفها بالليل"...هو كده ظريف يعني.
مؤمن(ساهماً):يظهر إنه مفيش فايدة فعلاً مهما نعمل"خلف كل قيصر
قيصر جديد"....وهي؟
علي:هي ولا حاجة,يظهر إنها اتعودت علي التحرش(يضحك بمرارة رغماً عنه)
تدخل أم علي حاملة معها صينية شاي
أم علي(لمؤمن):ماتاخده والنبي وتنزله شوية بدل القعدة دي
مؤمن(بلهجة ذات مغزي):حاضر يا حاجة..هاننزل..كلنا هاننزل!
ستار
المشهد الثاني
موقف مواصلات مزدحم,يجلس علي إحدي دككه,علي وسميرة محشورين في بين أجساد الجالسين,تأكل هي ساندويتش ويدخن هو سيجارة وأصوات النداء والصخب لا ينقطعان و تضطرهما أحياناً للصراخ في وجه بعضيهما
سميرة:حط لي سيجارة في الشنطة أشربها في حمام الكلية لما نوصل
علي(وهو يضع سيجارتين في الشنطة):أنا مش عارف إنتي بتطيقي حمامات الكلية دي إزاي...ده أنا عمري ما شفت في السيفون مشدود,وحتي لو اتشد ما بعملش حاجة!
سميرة(بقرف واستياء):لاحظ إني باكل
يمر بائع شاي بين الدكك
علي:اتنين معاك هنا يا ريس ماشي
البائع(وعينه علي نهد سميرة الناهض):أيوة ياباشا..معانا إن شاء الله نسكافيه,كابتشينو وقهوة,شاي
علي:اتنين شاي وبسرعة(يقوم بحجة البحث عن النقود للدفع ويقف بين البائع وسميرة)
يعود للجلوس ويرحل البائع
علي:نفسي آخد إعفا ونتجوز طوالي بعد ما نخلص النيلة اللي إحنا فيها دي
سميرة:النيلة دي هاتستمر معانا للأبد,طول ما احنا عايشين علي أرض أم النعم!!
علي:......
سميرة:إنت لسه قادر تحب يا علي؟ لسه بتحبني؟
علي:ولحد ماموت
سميرة(متهكمة)ولسه بتشوف أفلام عربي قديمة؟
علي:لأ ساعات قلبي بيرجع تاني من الموت,ساعات باحس إن الأمل موجود,ساعات باحس أن اللي جاي مستنينا وموجود
سميرة:وباقي الوقت؟
علي:زيك كده
سميرة:كده أحسن,وخلي بالك..أنا كمان بحبك,عواطفي محتاجاك,جسمي عايزك,مخي مرتبط بيك
علي:كل المعاني الحلوة مابقيتش حلوة
سميرة:الحياة والظروف والعيشة,بيشوهوا كل حاجة,بس الحمد لله إنها ماموتتهاش في حالتنا
يدخل أتوبيس ويتقاتل عليه الجميع,خناقات بين الركاب النازلين منه والصاعدين في ازدحام هيستيري,وضربات متبادلة علي الباب بين الجميع من يصعد مع من يصعد ومن يحاول النزول مع من يدفعه للخلف ليركب,نستمع لصراخ نساء وصيحات بنات,تقع امرأة في الأرض علي ركبتها,فتهرع فتاتان لمساعدتها,ونلتقط جمل داخل الأتوبيس وخارجه كـ:"حاسب يا حيوان,ياست أنا جيت جنبك,بالراحة يا حضرات,يا جماعة بالراحة فيه إيه ده لو أتوبيس رايح الجنة مش هاتعملوا كده,الرحمة بقي يارب من الغلب ده.
خلال ذلك,وبعد أن يجري الكل علي الأتوبيس وتصبح دكك الانتظار خالية,تتلامس أيدي علي وسميرة ويداعب شعرها,تضع يدها علي فخذه,وحين يعود الناس من المعركة منهكين,يعودان هما لوضعهما السابق.
ستار


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق