الخميس، 21 يونيو، 2012

قصة تدفعك للبكاء!


قصة تدفعك للبكاء!



وحده بهاء طاهر من يستطيع أن يُسيل دمعك علي وجنيتك دون أن تشعر!!وقد حدث ذلك في القصة الآسرة(فنجان قهوة)من مجموعة(بالأمس حلمت بك).
 

كيف تثير مشاعر قراءك,وتجعلهم يتعاطفون مع أسرة مات عائلها  الوحيد,وتركهم عرضة لغوائل الزمن المفزعة.بطريقة تكاد تكون مجرد سرد بسيط جداً للأحداث,دون استعطاف أو بلاغة لغوية مقيتة؟!
ولا حتي بهاء طاهر كاتب القصة يعرف ذلك-تدفعني رعونتي أحياناً أن أُطلق أحكاماً قاطعة-فذلك هو الفن!الذي لا يدرك صانعه كيف أُلهِم به,وصاغه هكذا بتلك الصورة.

بأسلوب فذّ يتنقل طاهر بين الأبناء الذين توفي والدهم,والزوجة,والعم.يلتقط ملامحهم و يسجّل ملحوظات من حياتهم السابقة,بصورة تعيد القارئ علي الفور إلي عالم أنطون تشيكوف,حيث يلتصق الكاتب بشخصياته,وينفذ إلي أعماقهم بصورة يكاد يكون معها شفافاً,لا تراه شخصياته لكنها تتحرك أمامه,كرجل يرتدي طاقية الإخفاء!!صورة غريبة,لكن الفنان لا وصف له...لذلك تتعدد الأوصاف!!!
المجموعة كلها تحمل شجناً لا يُطاق؛لذلك قرأتها علي مدد متتابعة.أثرها سيغور في أعماقك وسيجعلك تتوقف قليلاً وتتساءل:كيف تتلاعب بنا الحياة بتلك الصورة التي قد ننكّر معها أنها تتلاعب بنا؟؟!!نشعر أننا أبطال حياتنا بينما الآخرون هم من يتصدرون الشاشة.سؤالاً ساذجاً...لكنه ما ورد علي ذهني.

علاقات البشر نفسها متوترة,مبهمة,لاتفهمها الشخصيات نفسها...لماذا أذكر ذلك؟هل ذلك أمراً غريباً؟!

تتهشم آمال الجميع كزجاج مكسور,علي أحجار الواقع المرّ,ولا يبقي سوي الشجن,والحزن وأحلام بسيطة تسعد الناس,لكن الحياة تضن عليهم بقتلها,ودفنها في صدورهم؛لتظل تعذبهم إلي الأبد فلا هي تحققت ولا هي تخلت عنهم،بل تفجعهم ذكراها,كلما تأملوا أنفسهم ليروها وقد تعلقت بأهداب حياة لم يعد فيها شئ سوي المرارة والألم والحسرة علي ماكان,والخوف مما سيكون.

يقولون أن لكل إنسان نصيباً من إسمه وكاتب تلك القصة يدعي بهاء طاهر.

الأحد، 17 يونيو، 2012

لماذا لم يتزوج العربي من الفرنسية في الحي اللاتيني؟







لماذا لم يتزوج العربي من الفرنسية في الحي اللاتيني؟



ما أروع المتعة الأدبية عندما تأتي بغير تخطيط!تفتح الكتاب,وتبدأ بقراءته وتنتهي منه,وقد اكتسب وجدانك ذلك الشئ الذي لا يوصف.

دارت تلك الفكرة في رأسي مباشرة,بعد أن أنهيت آخر عبارة في الحي اللاتيني لسهيل إدريس,تلك التي قالها بطل الرواية حين سألته أمه:
"لقد انتهينا الآن إذن يا بني,أليس كذلك؟
فأجابها من غير أن ينظر إليها:
-بل الآن نبدأ يا أمي..."
 
منذ دقائق أنهيت الرواية تماماً...توجد معلومة صغيرة لم أتنبه إليها طوال قراءتي للحي اللاتيني:كُتِّبَت الرواية عام 1953؛ولذلك لابد من القول من القول بثقة تامة,أن تلك الرواية سبقت عصرها.طوال الوقت أشعر أن ذلك العمل يحمل نكهة ورائحة أدب السيتينات,ثنائية الشرق والغرب.الرجل والمرأة.العلم والحب.التقاليد والتحرر.الدَّنس والطُّهر.الغربة والوطن.القومية والاندماج في الغرب......ثنائيات عدة لم يناقشها الأدب العربي إلي في مرحلة متقدمة جداً من الستينيات وما بعدها,سبق إليها سهيل إدريس بفهم واعٍ,وروح قومية ليست ساذجة او مغرورة,بل تدرك تماماً من هي ومن الآخر,تعرف بما تمتاز هو عنها وتحاول الوصول إليه,وفي ذات الوقت ليست منسحقة,فهي ايضاً تعرف أن ما عندها ربما لم يسمع به الآخر طوال حياته,وإذا عرفه لم يفهمه وإذا فهمه لم يحبه!!

لا أذكر متي كانت أول مرة يقرع إسم الحي اللاتيني سمعي,ربما في إحدي الصحف,ولكني لم أهتم أن أطّلع عليها؛فقد كان الأديب العربي الأعظم يستأثر بكل وجداني...نجيب محفوظ عرفته تحت العشرين واستمر معي في العشرين,وأؤمن أنه سيبقي معي ابد الدهر.
إذن,الرواية جاءت علي غير توقع,بدأتها في موسم الإمتحانات-المذبحة العقلية,كما أحب أن أسميه-ولذلك انتبهت اليها بشدة!من يهتم بالامتحانات في الجامعات المصرية هم من سلّموا عقولهم لذلك الجالس أمامهم,يهذي بما يحفظ ويخطئ فيما لم يحفظ,ويطلقون عليه لقب(دكتور)وهو كائن يتطور عن معيد,في ظل تعليم حقير,ويُطلب منه العبث بعقول شباب آخرين,بحكم السلطة المخولة له في دنيا الدرجات!!!هل يوجد مهرب من هؤلاء أفضل من سهيل ادريس؟!

أتمزق الماً كلما أنجزت كتاباً آخر.كيف لم أقرؤه من قبل؟لا أعرف أحداً يرشدني!إلي متي أتعلل بالحجج الواهية!...لذلك لم أعد أتمزق ألماً بل أصبحت أواجه جهلي بمنتهي البرود:
-ماذا تريد؟...أنت تنتصر دوماً,وستظل تنتصر,أنا فقط أحاول ألا أجعل ذلك الانتصار سهلاً!

تكاد الأيام لطه حسين تتسرب من بين سطور الحي اللاتيني,ويكاد سهيل ادريس يُطِّل برأسه علي قارئه! هل أنا وحدي من شعر بذلك؟!

ولكن لمَ لم يتزوج البطل جانين الفرنسية؟
هل لشاب غرّ في العشرين أن يجيب علي ذلك السؤال؟

يجيب!!!ياله من احمق مغرور-ده اللي هو أنا-
ليقل ما يدّور في رأسه الفارغ!إن كان له رأس من الأساس!

"الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" رديارد كبلنج

هل هذا هو ما أراد أن يؤكده سهيل ادريس؟
السبب الدرامي في الرواية لعدم الزواج,أن جانين قد حمِّلت من البطل,ولظروف عدة تخلي عنها وحين استيقظ ضميره عاد مرة أخري,ليجدها قد غرقت في عالم الضياع والدعارة,ولم تقبل أن يرتبط بها حتي لا تعيق مستقبله,فتهرب منه بعد أن تواعدا علي الزواج,ويعود هو مرة اخري إلي لبنان ليحقق آماله الوطنية!!!!!
 من المخطئ إذاً؟!
العربي الذي أراد أن يكون شريفاً,أم الفرنسية التي سقطت في الدنّس الجسدي,ذات القلب المحبّ والنفس المضحية؟
لن أفهم أبداًهذا الأمر,فالإنسان في كل مكان واحد,هو هو,لا يتغير,جميعاً نحمل القلب ذاته والمشاعر نفسها والروح عينّها,تختلف الألسنة واللهجات والألون والأجناس,ويبقي جوهرنا واحد,نتألم مما يؤلم ونشتاق لما نحب ونفرح لما يسعد ونطمح فيما نريد...لماذا لا نقترب إذاً!!
ولكن الراوي ترك لنا فرّجة أمل للمستقبل
"-بل الآن نبدأ يا أمي..."
ألم يئن بعد من عام 53 إلي الآن أوان البداية!!!

لماذا أستخدم علامات التعجب بكثرة؟؟!!!!!!!!!

السبت، 9 يونيو، 2012

نجيب سرور أو فارس آخر الزمان


نجيب سرور أو فارس آخر الزمان




هذا المقال سيكون رديئاً جداً,أعلم هذا قبل أن أكتبه.كيف يمكن وصف عشقي لنجيب سرور,بكلمات...مجرد كلمات!!!

أتخيله الآن جالساً  بملابسه الرثة المهلهلة أمامي,ممسكاً بزجاجة خمر,مشعلاً سيجارته,يدمدم حانقاً علي الجميع:
-أكتب,أكتب.هي جات عليك…قول إنت كمان حاجة من نفسك.
ثم ساخراً بمرارة-أو أضف ثلاث نقاط للسين-:
-همَّ يعني ولاد(.....)دول احسن منك في ايه!!!
لا يسعني أمام هذا الفنان سوي الصمت.الصمت المخلوق من ألم,كيف ارتبطت روحياً بهذا الرجل!كيف زلزَّلتني كلماته,كأنها معاول هدم,و أدوات بناء في آن!كيف أتذكره دوماً كلما استعدت الأوباش الذين قابلتهم في حياتي!

لذلك لم أردّ عليه حينما سخر مني-في خيالي بالطبع-دعه يفعل ما يريد,لن نعذِّبه حتي بعد مماته؛لذلك تأملت هذا الوجه ملياً,وعدت أنظر إلي الشاشة محملقاً.........
هل لي أن أقترب ولو قليلاً,من ابداع نجيب سرور؟لا أريد سوي ملامسة العتبة...العتبة فقط فهذا يكفي جداً.من يدخل عالم نجيب سرور لابد أن يحترق بناره,وقد احترقت منه كثيراً,تلك الليلة أود أن أقف علي العتبة مشاهداً.


صرَح زكي نجيب محمود قائلاً"أنا أعرف عدداً لا بأس به ظفروا بقمم في دنيا ثقافتنا دون وجه حق"
ولم يحدد من.ولا أعرفهم للأمانة,ولكنني أعرف جيداً هؤلاء الذين بقوا عند السفح,وكان لابد لهم أن يقبعوا فوق الذري,من هؤلاء:العظيم المجهول نجيب سرور.

يختزل من لا يعرف الرجل,اسمه في(الأميات)بسحرها الخاص ولغتها الصادمة؛فأصبح لدي معظم من سمع الأسم:نجيب سرور=الأميات.معادلة مؤلمة جداً تجعل من يدرك قيمته آسفاً أشد الأسف علي ضياع قيمة عظيمة كنجيب سرور.لن أتحدث عن الأميات فبعد أن حفظتها عن ظهر قلب,أصبحت كالنخجر المسموم في صدري!ما كل هذا الاستبصار الذي وصل إليه هذا الرجل؟,كيف تحمل بشاعة الألم فاختار أن يعبٍّر عنه ببشاعة الكلمات؟كيف كتبها؟متي توصل لتلك الرؤية الحياتية المدهشة لماذا......كلا لن أستسلم للإغراء وأتحدث عنها,وإلا اختزلته أيضاً في أمياته.

لا يزال يصبّ كأسه,وينفث الدخان بكثافة,ثم يتحدث إليَّ بلهجة حادة ممتزجة بالمرارة دون أن ينظر ناحيتي,فقد ظل يتأمل الكأس في يده:
-قول ياض إني عملّت كل حاجة في الفن...كتبت شعر,ومسرح,ونقد,ومقالة....مثلّت وأخرجت.......أقول إيه ولا إيه....عليا الطلاق أنا نسيت مع إني كنت فاكر من شوية!!!! الله يخرب بيتكوا,نسيتوني أنا مين!!
-هاقول يا عم نجيب...بس أنا مش عارف كل حاجة
-ومدام مش عارف يا ابني بتكتب ليه؟...لما تعرف كل حاجة ابقي اكتب...شكلك مستقَل بيّا!
-العفو يا أستاذنا أنا معرفش كل حاجة عنك صحيح,لكن اللي اعرفه يخليني أقدّر مين هو نجيب سرور.
لم يجاوبني إلا بنظرة خالية من أي معني,وأشاح بيده أن اتركني الآن وافعل ما يحلو لك...وكما تري لم أغضب من لهجته الحادة!
هل تلك السلالة(السرورية)كُتِّبَ عليها العذاب,بداية من الأب محمد سرور إلي الإبن نجيب سرور؟..قد لا نفهم حياة نجيب قبل أن نفهم حياة والده.

فلاح يهوي الشعر والأدب يتوجه في العشرين من عمره إلي مسرح رمسيس,حاملاً مسرحية شعرية(يوسف وزليخة),آملاً أن تعرضها الفرقة,ولكن طموح الشباب وأمانيه,تصطدم بسؤال لم يجد له رداً:
"هات لي مسرحية عنوانها ريان يا فجل,بس عليها اسم كاتب معروف وأنا أقدمها..إنما مسرحيتك..أواجه بيها الجمهور ازاي؟أقول له تأليف مين؟اسمك إيه؟"
وبذلك تنتهي حياة فنية,قبل أن تبدأ.

وقد حكي الأب لإبنه مراراً تلك التجربة,أما الحادثة الأخري في حياة والده فقد شاهدها بعينيه,وسجّلها شعراً بعد ذلك في قصيدة الحذاء....بعد قراءة القصيدة لا يمكن إضافة شرح أو تعليق:
أنا ابن الشقاء
ربيب(الزريبة والمصطبة)
وفي قريتي كلهم أشقياء
وفي قريتي(عمدة)كالإله
يحيط بأعناقنا كالقدر
بأرزاقنا
بما تحتنا من حقول حبالي
يلدن الحياة
وذاك المساء
أتانا الخفير ونادي أبي
بأمر الإله!...ولبي أبي
وأبهجني أن يُقال الإله
تنازل ليدعو أبي!
تبعت خطاه بخطو الأوز
فخوراً أتيه من الكبرياء
أليس كليم الإله أبي
كموسي..وإن لم يجئه الخفير
وإن لم يكن مثله بالنبي
وما الفرق؟..لا فرق عند الصبي!
وبينما أسير وألقي الصغار أقول"اسمعوا..
أبي يا عيال دعاه الإله"
وتنطق أعينهم بالحسد
وقصر هنالك فوق العيون ذهبنا إليه
يقولون..في مأتم شيدوه
ومن دم آبائنا و الجدود وأشلائهم
فموت يطوف بكل الرءوس
وذعريخيم فوق المقل
وخيل تدوس علي الزاحفين
وتزرع أرجلها في الجثث
وجَدَّاتنا في ليالي الشتاء
تحدثنا عن سنين عجاف
عن الآكلين لحوم الكلاب
ولحم الحمير..ولحم القطط
من اليأس..والكفر والمسغبة
"ويوسف أين؟"..ومات الرجاء
وضل الدعاء طريق السماء
وهنلك قام قصر الإله
يكاد ينام علي قريتي
ويكتم كالطود أنفاسها
ذهبنا إليه
فلما وصلنا..أردت الدخول
فمد الخفير يداً من حديد
وألصقني عند باب الرواق
وقفت أزف أبي بالنظر
فألقي السلام
ولم يأخذ الجالسون السلام!!
رأيت..أأنسي؟
رأيت الإله يقوم فيخلع ذاك الحذاء
وينهال كالسيل فوق أبي!!
أهذا..أبي؟
وكم كنت أختال بين الصغار
بأن أبي فارع"كالملك"
أيغدو لعيني بهذا القصر؟!
و كنت أخشاه في حُبِّيَهْ
وأخشي إذا قام أن أقعدا
وأخشي إذا نام أن أهمسا
وأمي تصب علي قدميه بإبريقها
وتمسح رجليه عند المساء
وتلثم كفيه من حبها
وتنفض نعليه في صمتها
وتخشي عليه نسيم الربيع!
أهذا أبي؟؟
ونحن العيال..لنا عادة..
نقول إذا أعجزتنا الأمور"أبي يستطيع!"
فيصعد للنخلة العالية
ويخدش بالظفر وجه السما
ويغلب بالكف عزم الأسد
ويصنع ما شاء من معجزات!
أهذا..أبي
يُسام كأن لم يكن بالرجل
وعدت أسير علي أضلعي
علي أدمعي..وأبثُّ الجُدُرْ
"لماذا؟لماذا؟"
أهلت السؤال علي أُمِّيَهْ
وأمطرت في حجرها دَمْعِيهْ
ولكنها أجهشت باكية
"لماذا أبي؟" وكان أبي صامتاً في ذهول
يعلق عينيه بالزاوية
وجدي الضرير
قعيد الحصير
تحسسني وتولي الجواب:
"بني..كذا يفعل الأغنياء بكل القري"
كرهت الإله..
وأصبح كل إله لدي بغيض الصعر
تعلمت من يومها ثورتي
ورحت أسير مع القافية
علي دربها المدلهمِّ الطويل
لنقلي الصباح لنلقي الصباح!
وهكذا كان محمد سرور والد نجيب سرور.

ولكن نجيب قاسي في الحياة,أكثر من والده,كان من النوع الذي لا يدفن وجهه في الرمال,بل يواجه المشكلة,وإذا وجدها صغيرة يضخّمها لتكسره بعد ذلك!شخصية بالغة التفرد في الحياة...لن أخوض الآن في تفاصيل حياته الدامية.
يكفي أن أتذكره حافياً سكراناً في شوراع القاهرة,يحاول بيع إبنه كي لا يجوع,محجوزاً في مستشفي المجانين,يسكن مع أسرته في مسكن ضيق مع بعض الطلبة,تائهاً في موسكو لا يملك ثمن مكالمة,مضروباً من الشرطة السوفييتية....يكفي ذلك لن أكمل؛حتي لا تطفر الدموع من عيني!

إذا أردت أن أطلق العنان لكل ما أريد قوله,ستكون رواية حول نجيب سرور.....مسرحية في العشرين ورواية في العشرين...ما سر العشرين...ولماذا تختلف النهايات عن البدايات؟!
-رواية إيه...يا أبو رواية!!!
لقد قفز نجيب في خيالي مرة أخري.
-لما تعرف تكتب الأول ابقي قول روايات براحتك!

لماذا يبدو دوماً في خيالي حاداً؟ما أعرفه أن صديقه أمل دنقل هو من كان بالفعل حاداً,يمارس أسلوب الحدة علي كل من حوله.لكن نجيب سرور..لا..


أجل...حياة نجيب سرور لا يمكن إجمالها إلا في رواية,أما المتفرقات والأشياء الهامشية الأخري,قد تضرذكراه ولا تنفعها؛لذلك لابد أن أتوقف الآن,وأردد آسفاً في ذكراه الثمانين مطلع قصيدته الدرامية(لزوم ما يلزم)

قد آن يا كيخوت للقلب الجريح
أن يستريح
فاحفر هنا قبراً ونم
وانقش علي الصخر الأصم:
"يا نابشاً قبري حنانك,ها هنا قلبٌ ينام,
لا فرق من عام ينام أو ألف عام,
هذي العظام حصاد أيامي فرفقاً بالعظام."
أنا لا أحسب بين فرسان الزمان
إن عد فرسان الزمان
لكن قلبي دوماً كان قلب فارس
كره المنافق والجبان
مقدار ما عشق الحقيقة
قولوا ل"دولسين" الجميلة...
"أخطاب"...قريتي الحبيبة:
"هو لم يمت بطلاً ولكن مات كالفرسان بحثاً عن بطولة..
لم يلق في طول الطريق سوي اللصوص,
حتي الذين ينددون كما الضمائر باللصوص
فرسان هذا العصر هم بعض اللصوص!"

الثلاثاء، 5 يونيو، 2012

عرابي يعود إلي الميدان


                          عرابي يعود إلي الميدان     




هدَّمت السنون الرجل,وتتابعت عليه المصائب فوقف أمامها معتزاً بنفسه,نهشت فيه الألسنة من كل حدب,فظل كما هو مترفعاً,مزقته الإفتراءات فلم يسمح لها-التاريخ- بتحطيم إسمه.

-هو خائن
-سأثبت أنه متواطئ
-ليس إلا ساذجاً مندفعاً
-لقد تم تمويله ليقوم بفعلته الشنعاء
-فلاح تجرأ علي أسياده
-كافر,مارق عن الجماعة

تلك الإتهامات عبرت من عام 1882إلي عام2012 ؛لتلصق بكل من يقوم بثورة وطنية؛لتحقيق الآمال الشعبية,التي خنقها الاستعمار بالأمسً,والاستحمار اليوم.جيش الاحتلال الخارجي,وقوات الاحتلال الداخلي. وسلسلة طويلة أخري غيرها جاهزة لتنطلق في أي لحظة،ضد كل من يهدد مصالح السادة,أي سادة في أي مكان,ليس لهؤلاء سوي الكرباج.تغير الكرباج كلما تطورت العقلية القمعية,التي يمتاز بها المستبد علي مر الدهور,فهو صاحب ذكاء خارق,في القهر والإخضاع والالتفاف والخداع,و......و.....,وووووووووووووووووووو.

قضت أجيالأً عدة تعدد ما برَّع فيه الديكتاتور.ليس هذا مت أريد أن أتوقف عنده,قد أعود إليه
قضت أجيالأً عدة تعدد ما برَّع فيه الديكتاتور.ليس هذا ما أريد أن أتوقف عنده,قد أعود إليه إذا تحرش بعقلي مرة أخري,وجعلني أهمل إمتحاني -غداً-كاليوم,وأقضي طيلة النهار أفكر فيه,كما أفكر الآن وسط الأعاصير الجمّة التي تواجهها(ثورتي)
"أجل هي ثورتي التي لن يشاركني فيها أحد,سأتركها بين أيديكم الآن؛لعجزي عن استردادها,لكن تذكروا هي ثورتي,وتعرفني كما أعرفها,لذلك حين تراني مقبلاً عليها-صدقني يا سارق الثورة قريباً جداً-ستفلت منك,وتركض تجاهي لنلتحم سوياً كما كنا أول مرة,وستطلب مني قليلاً من الدم,لنتذكر سوياً موعدنا الأول,وعندها سأثقب جسدي؛لأترك لها للأبد فرصة تذكر موعدنا الأول كلما أرادت"

هكذا تدخل الثوري القابع داخلي,بعد أن سددّ لي لكمة قوية,طرحتني أرضاً,لم أغضب فأنا أعرفه عندما يبدو غاضباً.
ما تركت امتحاني-الفاسد العقيم الذي يحطم أي موهبة ويحارب كل إبداع-من أجله:تذكري لسيرة البطل المصري العظيم"أحمد عرابي"....الذي وجِهَت إليه الاتهامات السابقة!!!! ...لم أذكر سوي الإتهامات المخففة!!!

هناك مفارقة تاريخية لن تمر بدون الإشارة إليها:عام2011هو المئوية الأولي لعرابي...أود أن أتصوَّر أحياناً أن التاريخ لا يلعب أبداّ ولفظ(مفارقة تاريخية)غير موفق,فمن يدّرس التاريخ بعمق,لابد أن يندهش من تلك(المفارقات) التي أحياناً يصعب تصديقها,ودائماً ترسم ابتسامة بهاء بلا معني!

ذكر ألفريد سكاونت بلنت في كتابه"التاريخ السري لاحتلال انجلترا مصر",مانصّه:
"رفض عرابي أن يصبح أدة في يد السلطان عبد الحميد,مقابل تعيينه خديوياً علي مصر بدلاً من الخديو توفيق,ولما قال له ناظر الجهادية محمود سامي البارودي باشا,:سننادي بك خديوياً لمصر,قال عرابي:لا يا محمود باشا,فأنا لا أبتغي إلا تحرير بلادي,وليس لي طمع في المنافع الذاتية"
 ألفريد بلنت إنجليزياً شريفاً,نصائحه للمصريين لا تزال صالحة إلي اليوم...للأسف! وقد راجع الكتاب وأقرَّه عليه الأستاذ الإمام محمد عبده.
تجدر الإشارة أنه قد تزوج من حفيدة الشاعر لورد بايرون.

وفي موضع آخر يذكر بلنت:"ولما تأزمت الأمور حول عرابي عرضت فرنسا مرتباً قره خمسمائة جنيه من الذهب شهرياً,بشرط مغادرة مصر والاقامة في باريس,ويعاملكما يعامل الأميرعبد القادر الجزائري الأسيرهناك,فرفض عرابي وقال:واجبي أن أبقي في مصر وأدافع عنها حتي الموت"

لماذا هاجمون كل وطني شريف,ويتهمونه بأنه سبب ما حاق بمصر من هزائم و انكسارات؟

عرابي سبب دخول انجلترا مصر,عبد ناصر سبب احتلال سيناء, و و و و و و و و و, لن تنتهي قائمة الوطنيين ولا قائمة الاتهامات

ويقول عرابي عن نفسه:
"إنني ابن فلاح مصري.وقد اجتهدت قدر طاقتي أن أحقق الإصلاح لوطني الذي أنا من أبنائه ومحبيه.لقد كنت أجتهد في حفظ استقلال بلادي مع نيل الحرية والعدل والمساواة للمساكين الذين أنا خادم لهم.فلسوء البخت لم يتيسر لي الغرض المقصود.
وإنني مكتف بشرفي الشخصي الذي سوف يلازمني ماحييت ويبقي بعدي إذا مت.
وسوف يرضيني أن أنادي ب(أحمد عرابي المصري) فقط,وبغير ألقاب.لقد ولدت في بلاد الفراعنة وستظل اهراماتهم قبري.إن الأمة المصرية بأسرها كانت معي,وصحبة لي,كما أني محب لها أبداً فآمل أنها لا تنساني"

والآن والثورة المصرية قد تواجه-إن لم تكن قد واجهت بالفعل-اتهامات عدة,أقلها:ادخال البلاد في حالة من الفوضي. رواية "باب الخروج" التي ينشرها عز الدين فشير في التحرير يومياً,تضع سيناريو كابوسياً  لما يمكن أن تؤول إليه مصر في السنوات القادمة.

الثورة العرابية ارتبطت بإسم عرابي.كانت لدي مصري عام1882عرابي واحد.طرحت أرض الوطن الطاهرة عام2011مليون عرابي علي الأقل شعارهم بسيط جداً:أموت يا صاحبي وقوم خد مكاني دي بلدنا حالفة ما تعيش غير حرة.

عبارة من إحدي قصائد الأبنودي,لكنها علي الرغم من بساطتها الشعبية إلا أنها صمام أمان أكيد للثورة المصرية.

وإن كان(الولس كسر عرابي),فثورة يناير الشعبية لن يكسرها شيئاً بإذن الله,وستنجح ولن تواجه مصير الثورة العرابية,وسيحتفل بنجاحها الثوار قريباً....فهي بالفعل تمتلك ذكاء نادر الوجود,تجدها هُزمت واستكانت,تخدعك,تؤلمك,وإذا بها في وقت الشدة,مارد لا يعرف أحد من أين يخرج,تترك كل تلك القضايا الهامشية,وأحداث الإلهاء المتعمدة,وتنتصب شامخة مرعبة عظيمة,في ميادين الوطن.
 المجد..المجد..المجد للوطن