الأحد، 27 مايو 2018

أمل صلاح


لا أذكر أني  تحمست لنادِ أو شاركت في نقد أو تحليل أي مباراة,ولولا لعبي للبلايستيشن  في صباي مع الرفاق –وقت أن كان لي رفاق-ما أدركت بديهيات هذه  اللعبة.
منذ تفوق محمد صلاح الباهر بدأت تجذب انتباهي,ولم أعد أنظر لتكدس الناس أمام المقاهي علي أنه علامة علي الفراغ أو محاولة لقتل اليأس بانتصارات وهمية؛فالآن هؤلاء الناس يشجعون أنفسهم في صورة محمد صلاح,سليل الفراعنة العظام,هذا  الوجه قد أكون تخيلته كواحد من بين تلامذة إيمحوتب أو بتاح حتب,أو شاهدته في قادش وسط جيش رمسيس الثاني يذود عن شرف البلاد والجيش ,أو ربما قابلته صدفة في دمنهور مدينتي شاهداً علي ميلاد حورس,أو مصلياً في جامع المرادني أو كنيسة السبع بنات التاريخيان,أو واقفاً هناك يرقب جيش نابليون يدخل المدينة أو عند مدينة رشيد يلقي بالحجارة علي حملة فريزر...أجل أعرفه من زمن...واليوم أراه يبكي قهراً بسبب "اعتداء"تعرض له في الملعب؛فشعرت بالألم يغزوني كأني أنا من انطرح أرضاً يئن!
كلما برز نجم صلاح أكثر كلما ارتفعت معنوياتي للعلا,رغم أنه وسط الكاميرات والفلاشات وتهليل المشجعين,وأنا غارق في أوحال الحياة,ومع ذلك أرفع  رأسي سعيداً وأنا أري ندي في العمر يسبق الجميع بسنوات ضوئية نحو المجد بعزيمته وصبره وبدايته المتواضعة ومواقفه النبيلة كأحد أبطال السير الشعبية,يرفع اسم مصر في الدنيا,الاسم الذي انطفأ كثيراً في السنوات الماضية مع اختفاء أمثال صلاح في كل المجالات,فحدث ولا حرج عن قوتنا الناعمة التي غدت خيبتنا وعارنا,وسط الأدب المبتذل والغناء الهابط والسينما الأونطة,وتواري الرموز وموت الرواد,يظهر  اسم محمد صلاح باعثاً علي الأمل,فإن كان محمد صلاح فعلها فأنت وأنا نقدر أيضاً,هذا الأمل يدفعنا للاستمرار وسط كل المعوقات.
كل لحظة يثبت فيها صلاح أنه ليس بالأمل الكاذب,فمن يملك التربع علي عرش قلوب الأطفال في أنحاء العالم قبل الكبار,وهي قلوب لا تسكن إلا بالمحبة والإخلاص,ويجمع الفرقاء علي الإعجاب به,ويذكرنا بتاريخنا السامي  ومانستحقه حقاً...والليلة تتنكر الدنيا فجأة,فتنقلب الابتسامة الواثقة لبكاء ودموع عجبت لك يا زمن وعجبت أكثر لبعض الناس الذين يأكلون الناس,وتحول الانتشاء الذي أشعر به إلي ألم حاد يعتريني ويعتصر دمعي من قلبي,أهكذا يا دنياي من الثري إلي الثريا,ألم تشفقي علي من يمثل لهم هذا الفتي الفرحة الوحيدة في دنياهم وأنا منهم؟
تذكرني سقطته بالدرما اليونانية وسطوة القدر علي البشر,وكان هذا اللاعب المتسبب في ذلك يد القدر لينطر البطل أرضاً,وسأظل مع الكثيرين نفوسنا مطروحة أرضاً إلي أن يعود صلاح ساكناً في رصانة ومبتسماً في ثقة كأبي الهول,قد تكون هذه بداية سلسلة جديدة من رموز وطنية مشرفة جديدة من العلماء رغم انحطاط وقذارة نظام التعليم,والفنانين رغم الغث الرخيص المنتشر كالجراد,والأدباء رغم الهراء المنشور,وتكون فاتحة لتأسيس جديد للثقافة المصرية,ثقافة لا تعرف سوي الموهبة والعمل والإرادة.

الأربعاء، 9 مايو 2018

بئر سحيق وارتفاع شاهق

روايات دوستويفسكي شبيهه بالنظر إلي بئر سحيق من  ارتفاع  شاهق,هذه البئر هي النفس الإنسانية المعقدة والارتفاع هو موهبة دوستويفسكي العظيم...هذه الاسم الذي يصيبني بالشجن ويصوب لي سهام الرجفة منذ أن أنهيت روايته الجريمة والعقاب قبل سنوات,وقفت أمامها مشدوهاً متألماً.هذا الكاتب أشار للإنسان وقال"هاهو قد اكتشفته لكم فأصبحتم تنظرون لجوهره بدلاً من التحديق الأبله  في مظهره".
يتبع هذا الاسم  في ثقافتنا المعاصرة اسم مترجم قدير التصق به فضمن لنفسه الخلود بجواره بين قراء العربية,هو سامي  الدروبي  الذي نقل دوسويفسكي بشحمه ولحمه لنا في خدمة جليلة لن ينساها له  عشاق دوستويفسكي أبداً.

الأربعاء، 25 أبريل 2018

الخروج من الشقة


أدرت المفتاح في طبلة الباب,ممنياً نفسي باللجوء إلي كهف الوحدة وقوس قزح الصمت,عقب يوم طويل لاقيت فيه ما يلاقي الواحد من أقداره في الحياة,عدت منهزماً ككل يوم أحمل داخلي الحلم وتحاوطني خيبة الرجاء,وأتذكر مقولات المُسنات في أسرتنا"خيبة الأمل راكبة جمل!"..أشعر أن الجمل يسير فوقي بتؤدة المتمهل ليزيد آلامي!
رأيتهم وجوههم في المرآة المعلقة أمام مدخل الشقة,ثلاث رجال يستقبلونني بأقفيتهم العريضة,ووجوهم تتجه شطر المرآة!جفلت علي الفور وكدت أركض-وأنا رجل مضطرب الأعصاب تملأني الهواجس المخيفة ,تقبض علي طمأنينتي بأنيابها الحادة فالحمد لله إنني لم أصب بسكتة قلبية-لولا أن وجدت رابعهم كان يقف خلفي دون أن أشعر,فاصطدمت به بشدة أوجعت عظامي,وأطلقت تأوهاً عالياً يجمع بين الألم وطلب النجدة,ربما لو سمعته في فيلم سينما لتأثرت وسالت عيناي بالدمع,لأول مرة منذ أن دخلت أركز في وجوههم,حين تلفت حولي خوفاً وطمعاً,راعني مظهرهم القبيح ,الصالة بها بصيص من نور تبينهم من خلاله,وجوه قبيحة ورائحة منتنة كادت روحي تخرج منها,طوقني الأربعة من كل الجهات,نفس الأعين العكرة ذات النظرات الوقحة,هي هي العيون التي أقابلها كل ساعة,لكن هذه المرة علي غير انتظار,نفس الرائحة التي كنت أقنع نفسي ألا وجود لها وإنها تتهيأ لي كسبب نفسي لنفوري من الناس,الآن فقط أتأكد منها.
قبضوا علي رقبتي وتحركنا في الظلام نحو الطاولة الخشبية,أجلسوني فوقها ورقدوا علي كراسيّ الهشة المسكينة,سمعتها تئن تحت مؤخراتهم الثقيلة.
لا أعرف ما الذي أنطقني الجبن أم الزبد...آسف! الجبن أم الشجاعة فمنذ أن حدث لي ما حدث وأنا أهذي أحياناً...لا طوال الوقت أهذي حتي أنهم وضعوني في عنبر المجانين ,وبجواري الآن يقبع المهدي المنتظر يحاول إقناع هتلر بالعدول عن حرب عالمية ثالثة,ويقفز بينهما لأعلي, حامي الأرض من ضربات النووي شاهرا طاسة يوجهها نحو السماء صارخاً"احذر يا ترامب!تأدب يا كيم يونج"
-ماذا تريدون؟
رد أحدهم:
-بل ماذا تريد أنت؟
-لا أريد شيئاً...
-كارثتك أنك لا تريد شيئاً,تتمني في خيالك فقط لكنك لا تريد في أعماقك,قانعاً بيومك التافه السخيف يتكرر طوال سنوات عمرك!
-كلا أريد...أريد أن تتركوني أنام لأتمكن من استقبال يوم سخيف آخر!
هزأ الآخر وهو يجذبني من ياقة معطف لم يفلح بوقايتي من برد ديسمبر القاسي,فتركني داخله أرتجف بارد الأطراف وأرنبة الأنف:
-اذهب ونم في الشارع,فهذه شقتنا.
استجمعت أرواح المرحومين أبطال الإلياذة وهم يمزقون بعضهم بلا رحمة في ساحة الوغي,فصرخت-لكن في صوت خافت!-:
-هذه شقتي أنا...سأعفو عنكم!لن أستفسر عن كيفية دخولكم ولا ما ألحقتموه بي من فزع,فقط ارحلوا الآن وسأنسي كل شئ
علت القهقهات من الجهات الأربع,كأن العالم بأسره يسخر مني ويضحك عليّ, تلقيت صفعة من واحد منهم لم أتبين من هو تماماً فقد كانت مباغتة وسريعة,تلون وجهي بالحمرة غضباً وخجلاً وغيظاً من قلة حيلتي وهواني علي الناس.بكيت بحرقة وعلا صوت صراخي وأخذت أرفس وأضرب وهم لا يتحركون لا يشعرون,شتمت بكل قواميس السباب القذر,حطمت المرايا والأثاث,هرعت نحو النافذة ألعن النائمين وصوتي يرن في فضاء الشارع ويجلجل في جنباته,تكالب الأربعة عليّ أطرافي الأربعة,شلّوا حركتي وأسروني...آه تلك الرائحة تكاد روحي تزهق من شدة بشاعتها,كأني أُلقي بي في مرحاض عمومي لم يدخله عامل نظافة يوماً.
جردوني من ملابسي في عز البرد بلا رحمة وجروني نحو الشارع عنوة,بعد أن أشبعوني ضرباً.
ركضت والدموع تملأ عيني حتي قابلتني سيارة بيضاء,نزل منها رجلان ملابسهم بيضاء,ملوحين لي برداء أبيض فردت لهم ذراعي فألبسوني إياه بالمقلوب وأحكموا وثاق يدي حول خصري.
يقولون أنني أتخيل كل ما حدث وأن شهادة الجيران تكذب جميع أقوالي...آه الكلاب أولاد الأفاعي نجحوا فعلاً في إخراجي من الشقي,ورموني هنا,أتعرض لضربات الطاسة الطائشة في سبيل حماية الكوكب!

رواية كشهقة الموت هي


يستقي سعيد نوح روايته"كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد"من شهقة الموت الأخيرة التي قد تخرج الروح بعدها بسنوات,فالتجربة التي عايشها صاغها في عمل روائي ينضح بحفيف أجنجة عزرائيل تُسمع بين طيات الرواية أسفاً علي وجود الإنسان في الحياة قبل أن تأسف علي موته,كم  هو رخيص الإنسان وسهل اقتناصه بمدفع الموت الحاصد لما لا عدد له من الأرواح البشرية,بعضها يقترب من الملائكة كسعاد والكثير منها لم يخرجوا من همجيتهم الشيطانية.
هذه الرواية جرح نازف لا تطبيب له سوي الكتابة ففي التذكار ما يسلي الروح عن حرمانها,فيستعيد الرواي الحكاية من أولها,ويكتب سيرة الفقد والفقيدة,بشخصية رئيسية تموت فتظهر شهادات من عايشوها؛لأن ما يتركه الإنسان العادي في هذه الحياة ليس إلا ذكري,فأنا وأنت لن نظهر في كتب التاريخ ولا النشرات الإخبارية,غير الأسرة والمعارف لن يذكرنا أحد,وكل من عرف سعاد كلهم يحبونها بدءً من أبيها وأمها لزملائها في العمل,حتي هويدا مشاعرها رمادية,رغم غيرتها لا تقدر علي كراهيتها بل وتحولها بعد وفاتها إلي شخصية صوفية تطلب منها المدد.
"كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد"مرثية طويلة لمآل الإنسان في الحياة,نص منسوج بمرارة المعايشة المباشرة مع الموت الذي يظل علي الدوام"لا يوجع الموتي,الموت يوجع الأحياء".

الاثنين، 23 أبريل 2018

قراءة في مسلسل نابليون والمحروسة 2


يعالج المثقف الفرنسي رقية وينزع الخيط "التحصين"عنها,يدفن أبيها ويرسم لها لوحة لساعة الوداع,ويسعي  لإلحاقها عند انسبائها في المحروسة.
البيت الجديد يضم الأسرة القاهرية المكونة من الأب الحداد"هادي الجيار"والابن الأكبر حسن"بهاء ثروت"وشقيقه علي"شريف سلامة"وأختهما زينب وعلي رأسهم خديجة سيدة الداربكل ما تحمله الكلمة من معاني المسئولية والاحتواء,لا يختلف الحال كثيراً في الشمال عن الجنوب,الأزمات واحدة تطحن الكل.
لولا ديكور عادل المغربي وأزياء سهي حيدر لوقع هذا العمل في فوضي عارمة بالنسبة للمرئيات البصرية,قام شوقي الماجري بعمل كونشيرتو بصري من الديكور والملابس يعزف مع الكاميرا لوحات تشكيلية لمصر في القرن الثامن عشر,ملابس الشعب وديكور بيوتهم بالمقارنة مع ديكور وملابس قصور المماليك وأعضاء الحملة  يبرز لنا ببلاغة الصورة عمق الاختلاف بين أطراق الملحمة التي نحن بصددها,الصورة والضوء والديكور والملابس يذكرانني بأعمال رامبرانت بصورة كبيرة.
وكما وقع دينون في هوي رقية يقع علي هو الآخر,ثنائية جديدة تظهر ضمن الأحداث,الفرنسي والمصري يسعيان لقلب الأرملة الثكلي,وهي غائبة في عالم آخر...تعيش بروحها مع الموتي الغائبين الأحباب المختفين,لكن تبقي الحياة هي الحياة لابد أن تستمر مهما بلغت بشاعة قسوتها,والمأساة السورية اليوم دليل حي علي جاذبية الحياة واستمرارها ولو علي ذروة قمة الآلام,واستناداً لجينات الإنسان المرتبطة بالحياة تقبل رقية خطبة علي,ووسط هذا الانشراح القصير في مسار الأحداث تموت ورد"أروي جودي زوجة حسن علي يد زوجها المتعصب...بهاء ثروت طاقة فنية لاتجد حتي اليوم من يستغلها بصورة كاملة,ولن تجده طالما يتعامل الجمهور الحالي مع الهراء الذي يقدمه هذا الشئ الذي تجرأ علي اسم مصر وألصقه بالتهريج البائس الذي يقوم به وسمي نفسه زوراً"مسرح مصر"في بجاحة لا حد لها,فالفرق المسرحية الحقيقية لم تفكر أن تحتكر اسم مصر العظيم الهائل رغم ما قدمته من أعمال تفخر بها مصر وتذكرها بالحنين والتبجيل!!المهم نعود إلي ما يستحق الحديث عنه.
لماذا قتل حسن ورد رغم عشقه لها وغرامها به.عشق الأضداد ورد الحنون وحسن الغليظ,ورد المتفتحة وحسن منغلق الذهن ضيق الصدر؟
ورد تهوي الجمال كأي جميلة علي أرض مصر,وللفرنسيون ولع وخبرة بالجمال والفن,وعندما قرر نابليون تحويل خط مصر من الانحدار علي قضبان العثمانيين إلي التقدم علي قضبان الجمهورية الفرنسية,أقام بعض دور الترفيهومنها التيفولي علي حديقة الأزبكية,وهو مكان للموسيقي والرقص ولألعاب المراهنات ومقصقف للمشروبات,حرمه المصريون علي أنفسهم كنوع من المقاومة!!!تلك هي الأزمة التي ستؤدي إلي قتل ورد,فقد خرجت مع صديقتيها لهذا المكان السحري بالنسبة لامرأة في القرن الثامن عشر في ولاية-مصر ولاية!!!!!-عثمانية متخلفة لا تعرف من الدنيا إلا القليل,وتتفاقم الأحداث عند ركوبها مع زوجة أجد الفرنسيين العربة,فيراها زوجها ويشهم رأسها"بلا وعي",طريقة قتل حسن لورد تكشف عن نفسية حسن,فهو بلا وعي ولا ثقافة تجعلانه يقبل ما قبله أبوها الحاج منصور"صبري عبد المنعم"بتفهم,جسن لا يري في الفرنسيين إلا"كفرة"هكذاببساطة!!هذه الذهنية السطحية هي المتسيدة اليوم,موضوعات معقدة خطيرة تستغرق من الباحث فيها عمره,يحكم فيها ضيقو الأفق غائبو الوعي  بكلمة أو كلمتين بكل ثقة الجهل المتفشي,مريحاً ذهنه من التفكير لكنه يتعب نفسه حتي الموت!مثل حسن الذي قتل زوجته بغياب وعيه ضرباً علي الرأس.

الأحد، 22 أبريل 2018

قراءة في مسلسل نابليون والمحروسة(1)


بين  كآبة جنائزية تشي بزمن ولي وغادر الأرض؛ليدفن في باطنها حيث ينتمي,وترقب القادمين من الجانب الآخر للبحر ليطأوا أرضاً جديدة,تخيلوها من كتابات رحالة وباحثين كفولني الذي كان مفتاح من مفاتيح الاستشراق في زمنه الأول,يبدأ مسلسل نابليون والمحروسة بقيام خديجة "سوسن  بدر"بدفن أمها واقتراب سفن نابليون بونابارت لسواحل الأسكندرية.
من البداية تسيطر الأجواء الكئيبة القاتمة المنعكسة علي الصورة جاعلة الظلال الداكنة تشيع في جنباتها؛لتكون مرآة من الظل والضوء تعبر عن نفسية الشخصيات وصورة للأحداث.
يمكن إجمالها في أسرتين واحدة تعيش في المحروسة والثانية تقبع في صعيد مصر في الفشن,تربطهما علاقة مصاهرة بزواج محمود"أشرف مصيلحي"من زينب"سهيرالصايغ",سرعان ماينمحي أثر الأسرة الثانية  بين المطرقة المملوكية والسندان الفرنسي,وكما هي العادة علي مر التاريخ,يتصارع الأقوياء وليس هناك  ضحايا غير الأبرياء من حلموا برغيف وسقف وحضن يقيهم أنياب الزمان.
رقية"فرح يوسف" تفقد ابنيها باختطاف المماليك لهم,وأبويها حين دخول الفرنسيين,أمها التي تغلف قلة حيلتها بصرامة قاسية,لا تجد غير البحر مفر لتغرق فيه ممسكة بولديها وأبيها يصاب بطلقة ترديه.
من تلك الحلقة يبدأ تجلي أداء فرح يوسف الفن,في دور تراجيدي لامرأة نكتشف سعادتها الزوجية مع زوجها الراحل من حوار لها مع أمها,ثم موته ليتركها ضحية للفقر وغنيمة للطامعين,وولداها يتامي يجري عليهم من شظف العيش وشدة غلاظ القلوب ما يجري علي أمثالهم...إن المأساة التي تحياها ترجع بنا لأيام بعيدة وأماكن لا تعرفها رقية,تعود  بنا لماري أنطوانيت وسجن الباستيل و"شنق آخر ملك بأمعاء آخر رجل دين",وخوف إنجلترا ودول أوروبا من تصدير الثورة لبلادهم,وحروب التاج مع الجمهورية في صراع السيادة والسيطرة,بين قوتين عظمتين,حين قررت فرنسا إرسال جنرالها الأول نابليون العسكري الفذ الشبيه في تاريخنا بتحتمس الثالث من جهةالعبقرية العسكرية للهجوم علي إنجلترا وتتغير الخطة بمهاجمة إنجلترا بطريق غير مباشر بضرب مصالحها,فكانت مصر هي المختارة وفي مصر نزل نابليون خلفه  يعدو نيلسون...ثم  بدأت مأساة رقية!!
تتزين بلادنا بالعلماء والفنانين الفرنسيين الذين أضاءوا الماضي,ومثلوا نقطة مصيرية في التاريخ الحديث,حيث تفتحت أعين المصريين علي العالم الحر المتقدم  لأول مرة منذ قرون كبتتها فيها السلطنة العثمانية عملت فيها علي إلغاء الهوية  المصرية بصلف جهول أو بتعمد شرير,ورغم ذلك تظهر يد الحرب البغيضة في ضياع أسرة الشيخ مصطفي"سامح الصريطي"والد رقية بيد الجمهورية التي رفعت بالبنادق شعار الحرية والإخاء والمساواة!!قامت المؤلفة عزة شلبي  بإبراز الوجه المشرق  للحملة الذي شعر به المستنيرون من أهل مصر وقتها بينما لم ير فيها العوام سوي حملة صليبية جديدة!فالدين للأسف ليس إلا غمامة يُلبسها إياهم الأفاقون لينحدروا بهم للدرك الأسفل!
عند دخول جيش فرنسا للفشن تهرع الأم للقبض علي ابنتها بيد من حديد ومحاصرتها للقيام "بتحصينها"عن طريق إغلاق مكمن أنوثتها بالإبرة والخيط عبر عملية مؤلمة من الغرز بسن مدبب في أكثرالأماكن حساسية في الجسد,خوفاً من اغتصاب الجند لها,تسير رقية متألمة لا تقوي علي الحركة مع أبيها الضرير في صورة أنتيجون مصرية كتب عليها مواجهة أقدار لا يد فيها,وليس عليها سوي السير والتحمل بشجاعة لا يقوي عليها جسدها الواهن وروحها المكسورة.
في مشهد موت أبيها تنهار بجوار جثمانه إرهاقاً وألماً,يراها الفنان الفرنسي فيفيان دينون"جهاد سعد",فيعرف منها ما تعانيه من آلام وفي لقطة تزيد من عمق فهمنا للإنسان بصفة عامة,الذي يحاول أن يصير سيداً للعالم,تخبره بما فعلته أمها وتبدي له ألمها من البول المحبوس خلف خيوط أمها الغليظة.
هنا لابد من كلمة عن أداء فرح  يوسف الرصين في هذا العالم تحت قيادة المخرج شوقي الماجري:
يُخيل إلي أن أعظم ما يصل له الفنان أن يمحو شخصيته الحقيقية في  ذهن المشاهد,فمثلاً لم أر آل باتشينو في فيلم الأب الروحي بل رأيت مايكل كورليوني,ولم أعرف أوريسون ويلز في المواطن كين وإنما الملياردير  تشارلز فوستر كين,ولم يكن عمر الشريف في فيلم دكتور زيفاجو بل كان زيفاجو نفسه,وكذلك فرح يوسف كانت رقية تحتل مسامها وطبقة صوتها المتخاذل,طبيعة هذا الدور يغري عشرات الممثلات بالافتعال ومحاولة استدرار الدموع الكاذبة والغرق في حضيض تمثيل التمثيل بدلاً من التمثيل كفن سحري يجسد التعبير الإنساني كما هو...أو كما يجب أن يكون.


السبت، 14 أبريل 2018

سوريا...حبيبتي الجريحة



سوريا...حبيبتي الجريحة
"رن الشاكوش في حلب,سمعه الدمنهوري من غير ما يسأل عرف إن النغم سوري"هكذا عبر بلدياتي الشاعر حامد الأطمس عن شفافية العلاقة بين مصر وسوريا,وخص بالذكر مدينتي دمنهور,قال هذا في زمن مضي كانت فيه مصر وسوريا بلداً واحدة في تجربة ملهمة لم يُكتب لها الاستمرار.
عاودتني هذه العبارات في هذه الليلة,لكن ليس هناك شاكوش يدل علي البناء والإصلاح  والتعمير,وإنما وسط  سماع ضربات وصراخ وبكاء عمره أكبر من عمر الوحدة!سنوات مرت منذ اندلاع الحرب في سوريا الجميلة صاحبة الحضارة العريقة,الآهلة بالفنانين والمثقفين,العامرة بالخيرات,الراسخة كوتد من أوتاد التاريخ مع شقيقتها مصر,لتصبح  مرتعاً للمرتزقة والمسلحين من كافة بقاع الأرض,مأساة حقيقية  أرقتني وأبعدتني عن الأخبار التي تعج بالقتلي والمصابين والمنازل المهدمة,طوال هذه السنوات كلما مر عليّ اسم سوريا ارتج قلبي بين ضلوعي,وفرت الدموع من عيني ساخنة ملتهبة كمن يبكي علي عزيز رحل,ودعوت من قلب يفور حزناً وعطفاً لمصر وشعبها وجيشها العظيم بالأمن والسلام في محيط يُقتلع فيه المدن لتغدو خرابا والناس لتصبح لاجئين يبحثون عن لقمة وسقف,وقد كانوا في بيوتهم معززين مكرمين,وعندما رأيت ذات يوم بنت سورية تفيض رقة وجمالاً وتشيع من قسماتها سمات عز غابر انقضي تتسول من أصحاب الحوانيت في ذلة,أظلمت الدنيا في عيني وتمنيت لو يعود الزمن للوراء لتأخذ الأحداث مساراً مختلفاً,لكانت هذه الفتاة اليوم عروس ترفل في عز أبويها وتتألق مع عريسها آملة في حياة جديدة,وتساءلت والألم يعصر روحي وجسدي:يا إلهي ربما تكون هذه أفضل قريناتها حظاً,فما بال الأخريات"واهتز قلبي كفقاعة وانفثأ"!
الآن  أتخيل حال الأخريات,وأنا أري الكل يضرب الكل في معجنة تاريخية,وأفكر أي ملعون اخترع الأسلحة,وأي فكر نتج عن زنا عقلي مع  نصوص دموية ظن ملاعين الأرض أنها مقدسة تدعو للحرب والتدمير,فجرت الدمار علي شعوب وأمم,وأصبحت اليوم سوريا  بسبب ذلك ساحة حرب...
وأعود بذاكرتي لحرب العراق,كنت طفلاً تعديت العاشرة,جالساً في أحد أيام التعذيب الذهني في منظومة التعليم المصري المجرم,وسمعت المدرسون يتحدثون عن"العراق, صدام,بوش,سقوط تمثال,دخول الأمريكان,العلوج,الصحاف,بوش مرة أخري"وفي المنزل شاهدت القصف والليل يصبح نهاراً,الكل كان مذهولاً ومتأثراً,ليل نهار لا حديث سوي عن العراق,بدأت هذه الكلمة تصبح جزءً من وعيي وعندما كبرت قليلاً,وقفت تحية إجلال للسومريين والآشوريين والبابليين,وأحببت العراق,عراق المتنبي ومهدي الجواهري والحلاج وبدر شاكر السياب وكاظم الساهر,عراق هارون الرشيد وبغداد التي أصبح اسمها علماً علي الرفاهية والعظمة الحضارية...لكنني عندما بحثت عنها وجدتها ممتلئة بعمائم موقوتة تنفجر  في وجه بعضها البعض مخلفة ضحايا بالمئات,وتداعي الخيال وسط واقع مؤسف.
واليوم سوريا...سوريا...سوريا حبيبتي تدق عاصمتها دمشق القنابل ليلاً,ومن دمنهور أسمع أصوات صرخات رعب وألم مثلما سمعتها علي أيدي الفجرة الدواعش,والفجر من نافذتي يعلن عن مولد يوم جديد...يوم جديد من حزن وألم علي وطني سوريا ووطني العراق ووطني اليمن ووطني ليبيا...كل قلاع المجد القديم تتهاوي!!!!!!ويدي علي قلبي أدعو لوطني مصر بالأمن والسلام ولجيشها العظيم بالتوفيق والسداد...يا سوريا...يا دمشق...يا أهلي هناك سامحوني أرجوكم ليس لي إلا الدعاء كملجأ أخير للضعفاء والمهزومين ودموع غزيرة تكفي ليسبح فيها أجساد أطفالكم الطاهرة...من قلبي أردد ماقاله توفيق زياد"أناديك...
 أشد علي أياديكم
وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم
وأهديكم ضيا عيني
ودفء القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا
نصيبي من مآسيكم"